في قلب قاهرة المعز وبين أسوار وأبواب القاهرة العتيقة وأزقتها وحاراتها، تنتعش أسواق من نوع خاص تحمل معها رائحة الطبيعة والبيئة البدائية، التي لا تشعر معها أنك تعيش في القرن الحادي والعشرين..

إنها (أسواق العطارة) التي تحيط بالجامع الأزهر الشريف، أو على مقربة من مسجد الحسين بن علي، حيث تختلط هناك روائح التوابل مع روائح الأعشاب، وأدخنة البخور مع العطور، ولن تجد صعوبة في أن تجد في هذه الأسواق مبتغاك من الوصفات الطبية الطبيعية، أو مستحضرات العناية بجمال السيدات والفتيات التي أساسها الأعشاب المجففة، التي تنافس بقوة مستحضرات التجميل الحديثة ولعل زيارة واحدة إلى أسواق العطارة، سوف يجد المرء فيها أصحاب محلات العطارة الشهيرة من أمثال رجب العطار وحراز وخضر العطار وغيرهم الكثير من الذين ورثوا مهنتهم أباً عن جد، يعلنون عن الخلطات والوصفات الطبية التي تشفي من الأمراض المتعددة، مثل الروماتيزم وآلام المفاصل ومرض السكر وقرحة المعدة والبروستاتا والضعف الجنسي والتبول اللاإرادي، وحبوب اللقاح التي تساعد على رفع كفاءة جهاز المناعة وخفض حدة التوتر العصبي.

كذلك، فإن هذه الأسواق تعتبر مركزاً للتجميل والعناية بجمال المرأة، ولكن بشكل بسيط بعيداً عن المواد الكيميائية التي تستعملها نظيرتها الحديثة، التي تنتشر في أرقى الأحياء القاهرية، فهناك تجد بنات حواء الزيوت والدهانات إلى جانب كريمات الشعر، وأيضا (الحناء) القادمة من السودان والهند واليمن بأنواعها البلدي والسوداء والحمراء، وحسب رغبتها في كونها طبيعية خالصة، أو مضافاً إليها التركيبات العشبية كالصبار المجفف والبردقوش.

وفضلاً عن الحناء، هناك حمام كريم بالنخاع والثوم والقمح، يغذي جذور وبصيلات الشعر ويجعل شعرك بملمس الحرير، وبجواره كريم بالعسل لإزالة الكلف والنمش، وليس بعيداً عنهما تقرأ (القناع الطيني البركاني، يزيل خشونة الجلد للبشرة الجافة ويزيل التجاعيد، ويضفي على البشرة لونها الطبيعي الزاهي والنضارة والبريق).

(عطارة الفرسان)، (سر العطار)، (أكاديمية العطارة).. أسماء متعددة تعمل جميعها بمبدأ واحد لكي تدحض المقولة الشائعة (يصلح العطار ما أفسده الدهر)، ففي سوق العطارين المجاور لخان الخليلي تكثر محلات العطارة التي تبرع في العلاج بالأعشاب.

وتقديم الوصفات والخلطات التي تخص النساء أو تساهم في تجميلهن، فغالبية المترددين على أسواق العطارة من الجنس اللطيف، وتبعاً لذلك فلا عجب أن تشاهد لافتات الإشهار والإعلان التي تعلن وتبشر السيدات بهذه الوصفة السحرية، أو بتلك الخلطة المبتكرة، فهذه لعلاج السمنة، وأخرى لعلاج النحافة، وتلك لتساقط الشعر، وأخرى لتقويته وفرده، والتي يزيد من الإقبال عليها أسعارها الرخيصة التي تعد في متناول الجميع.

في أحد المحلات التقينا المهندس محمد أبو بكر، الذي حدثنا قائلاً: إن أسواق العطارة تجتذب العديد من الناس، الذين يثقون في الأعشاب كوسيلة للعلاج، أو التجميل، بل هناك من يأتي إلينا بعد فشله في إيجاد علاج لمرضه في كبرى عيادات الأطباء المتخصصين، مثل من يعانون من أمراض كالثعلبة والقراع.

وأكثر الأعشاب التي تقبل عليها زائرات أسواق العطارة - بحسب أبو بكر- هي الأعشاب الخاصة بعلاج السمنة والنحافة، وكذلك الأعشاب التي تعالج أمراض الجهاز التناسلي للمرأة، خاصة لدى المتزوجات، فهي علاج بسيط وغير مكلف من الناحية المادية، ويعتمد هذا العلاج في الأساس على نبات (القرضة).

وتعتمد الزائرات أيضاً في أسواق العطارة في أغلب الأحيان، على وصفات من أُخريات قاموا بتجريب وصفة ما، من بين هؤلاء سيدة قطعت حديثنا مع أبو بكر، سائلة إياه عن طين الحبة السوداء لعلاج تساقط شعرها، وما هي إلا ثوان حتى أحضر لها طلبها، ثم قالت:(جئت خصيصاً للبحث عن وصفة الحبة السوداء لمنع تساقط الشعر، بناء على نصيحة جارتي، التي قامت بتجربتها وأفادتها كثيراً، فكما يقول المثل الشعبي اسأل مجرباً ولا تسأل طبيباً).

وقبل أن تغادر السيدة يخبرها أبو بكر بطريقة الاستعمال، موصياً إياها بعجنها مع عصير الجرجير مع ملعقة خل مخفف وفنجان زيت زيتون، ويدلك الرأس بالعجين يومياً قبل النوم. وصفات أخرى متعددة، يطرحها محل العطارة لزبائنه من النساء، فزيوت الخس والزيتون تستخدم لمن تعاني من الشعر الجاف.

أما علاج الهالات السوداء حول العين فيستخدم معها طيبة الهرمل المطحون وزهر البابونج وروح الفل وروح المشمش، أما التخسيس فيستعمل معه نبات السلامكي المكي والبردقوش، كما توجد أعشاب لإزالة الشعر الزائد عن الجسم نهائياً عن طريق الكمبولا الذي يتم جلبه من كينيا، إلى جانب الأعشاب التي تساعد على تفتيح البشرة، وتعالج حب الشباب وكذلك التي تستخدم في علاج العقم.

داخل أحد محلات العطارة التي تحمل عنوان(أكاديمية العطارة)، ستجد بائعاً كبير السن يعمل دون كلل مُلبياً حاجة زبائنه، الرجل يدعى الحاج (علي محمد)، تجده محاطاً بعشرات الأعشاب التي تستقدم من المغرب والهند وأواسط افريقيا، كما تجد لديه البخور المستورد من السودان، وبخور العود الذي يتم استيراده من السعودية، وبخلاف هذا وذاك ستجد الخلطات التي يقبل على استخدامها النساء والفتيات لأغراض الزينة.

يقول الحاج علي: (بسبب شهرة أسواق العطارة يقبل أصحاب مراكز التجميل الكبرى بالقاهرة على الاستعانة بما لدينا من أعشاب في علاج زوارهم، خاصة الأعشاب التي تستخدم في عمليتي التخسيس أو زيادة الوزن، أو تلك التي تستخدم في عمل ماسكات الوجه أو كريمات السنفرة للجسم والبشرة).

ولا يفاجأ الحاج علي من شدة الإقبال والرواج الذي تلقاه منتجات أكاديميته الخاصة بالعروس، وقد رأينا ذلك خلال الدقائق التي أمضيناها معه، فأمام المحل يقف عدد من الفتيات والسيدات اللائي يقرأن الإعلانات الخارجية التي يعلن فيها عن بضاعته أو يسألن عن أعشاب معينة بالاسم، أو يعرضن مشكلتهن للبائعين وينتظرن منهم الوصفات السحرية.

و تخبرنا (سمر) التي كانت بصحبة صديقة لها، أنها تستعد للزواج خلال أيام قليلة، وهو ما دفعها إلى الحضور إلى أسواق العطارة، لما لها شهرة من تقديم ''حمام العروسة'' سواء المصري أو المغربي، مبينة أن شقيقتها التي سبقتها بالزواج كان لها تجربة ناجحة مع الحمام المغربي، حيث الطمي المغربي والليفة المغربية والصابون المغربي المعروف بلونه الأسود، إلى جانب ماسكات الوجه، وهو ما دفعها للحضور قبل زواجها لتكرار تجربة شقيقتها.

ويتدخل في الحديث (الحاج علي) مشيرا إلى أن الطمي المغربي الذي يسمى في المغرب (غسول)، يلقى رواجاً لديه سواء من جانب مراكز التجميل أو للاستخدام الشخصي، فهو يستخدم لتفتيح لون البشرة، بينما تستخدم الليفة المغربية الشهيرة المتوفرة في ثلاثة أنواع (الخشنة جداً والخشنة والمتوسطة الخشونة) في تقشير البشرة، كما يتم استخدام ماء الورد المغربي أيضاً، في الحمام المغربي لتنظيف وتجميل البشرة.

ولا يخفي الرجل أيضاً الإقبال الذي يجده من السيدات على خلاصة نبات (السُعد المصري) في حمام العروسة، فهو يؤخر نمو الشعر بعد إزالته بالطريقة العادية، لأنه يبطن الأنزيمات، ومع تكرار الاستعمال يختفي الشعر نهائياً، وكذلك تلقى ماسكات الوجه مبيعات ضخمة، مبيناً أن ماسك زيت اللوز يغذي ويساعد على تجديد الخلايا وتنعيم البشرة، وماسك جنين القمح يحارب التجاعيد ويزيل الهالات السوداء حول العين، وماسك الترمس يعمل على امتصاص الدهون، ويفتح البشرة ومناسب للبشرة الذهنية.

القاهرة - دار الإعلام العربية