لن ندخل في جدل هزلي حول منشأ الكاريكاتير كفن، بل سنقف محايدين بين القائلين إنه نشأ في أوروبا، وبين زاعمين بأنه قديم قدم الفراعنة الذين لم تخل آثارهم من رسومات ذات انتقادات لاذعة.. لكن دعونا نعترف بأن أول كاريكاتيري عربي معروف هو الصحفي يعقوب صنوع، الذي أصدر جريدة هزلية تسمى «أبو نضارة»..
ثم توالى ظهور رسامي وفناني الكاريكاتير منذ ذلك الحين وأسسوا فنًّا يتأثر ويؤثر في الواقع العربي.. فهل لازال لهذا الفن صداه في زمن التكميم والقصف والزحف.. هذا ما نحاول استجلاءه من خلال فن الكاريكاتير المصري، فإلى التفاصيل بالرغم من تعدد مدارس وأنماط فن الكاريكاتير بين مضامين اجتماعية وأخرى فنية أو رياضية، إلا أن الأبرز والأكثر حضورا كان للذي يتناول الواقع السياسي، حتى أن الكاريكاتير ظل يلعب من خلال الصحافة المصرية وعلى مدى عشرات الأعوام دورا نضاليا ألهب مشاعر الجماهير، لاسيما في حقب الاحتلال، وعبر عن تطلعاتهم في ظروف تفوقت فيها الريشة على القلم، فكانت الأقدر على التعبير.
وذلك عندما كان يستحوذ الكاريكاتير على مساحات عريضة في العديد من المجلات والصحف المصرية، بل كانت له مجلات وصحف خاصة به.. لكن هناك من يرى أن الكاريكاتير لم يعد يقوم بنفس الدور الذي كان يلعبه في مراحل سابقة، وبحسب الفنان مصطفى سالم فإن الفن الكاريكاتيري يعاني حاليا أزمة ظاهرة، حيث أصبح سجين وجوه تخطت حاجز السن إذ أن معظمهم تجاوز الستين والسبعين وعلى الرغم من ذلك ما زالوا يحتلون راية هذا الفن، ما أوجد مشكلة أمام الفنانين الشبان الذين لا يجدون مساحة لنشر أعمالهم، وأكثر ما يحصلون عليه مساحة في جرائد هامشية لا تكاد تكون معروفة، مما دفع كثيرين منهم إلى هجر الكاريكاتير رغم روعة خطوطهم وجودة أفكارهم بينهم «ياسر نور وإبراهيم سيد».
خطوط حمراء
الفنان عمرو فهمي يتفق مع هذه الرؤية مؤكدا افتقاد فن الكاريكاتير الآن إلى فنانين حقيقيين، تعبر أعمالهم عن الواقع مثل مصطفى حسين، فلم تعد الرسومات تعبر كما كانت في شكل قوي، مشيرا إلى تقرير نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية عن استئناس فن الكاريكاتير في مصر والأردن ولبنان وفلسطين والسعودية بسبب الخطوط الحمراء التي تفرضها هذه الدول على الكاريكاتير.
وتحديد اتجاهات لا يمكن الخوض فيها، خاصة المتعلقة بقضايا سياسية واجتماعية، إلا بدرجة معتدلة تبرهن بها هذه الأنظمة عن ديمقراطيتها المزعومة، الأمر الذي أثر على مستوى الإبداع في فن الكاريكاتير.. لكن لا ننكر وجود أجيال متحفزة من الكاريكاتيريين الشبان في بعض الصحف المستقلة والمعارضة تتاح لهم الفرصة للتنفيس عن بعض أفكارهم.
رسومات وطلقات
ويرى عمرو سليم - الرسام الكاريكاتيري أن هذا الفن يصل إلى قلوب الناس وعقولهم نظرًا لبساطته، وما يتضمنه من خفة دم وسخرية من أوضاع معينة، لتناوله قضايا تهم المجتمع معتمدًا على خفة دم الفنان وطريقة توصيل الفكرة بشكل مضحك إلى القارئ، والكاريكاتير وجه آخر للكوميديا التي ازدهرت مع ازدهار النظام السياسي العربي في النصف الثاني من القرن العشرين، وأنه بالرغم من انحيازه لرجل الشارع العربي ومعاناته، فإن تأثيره في الرأي العام ظل محدودًا لسنوات طويلة.
وبدأ يتلاشى هذا الدور نتيجة السياسات التي تنتهجها حالياً كثير من الحكومات في البلدان العربية، مع أنه لا يخفي علينا أن هناك روادا لهذا الفن كان لهم بصماتهم الواضحة وتأثيرهم في شعوبهم وتوجيه قضاياهم إلى الطريق السديد، أبرزهم الفنان الفلسطيني «ناجي العلي» الذي كانت رسوماته أوقع من طلقات الرصاص في صدور الصهاينة، إلا أن هذا الدور انحسر مؤخرا وضعف تأثيره في السلطات السياسية.
استياء
الفنان الساخر جورج البهجوري أوضح أن فن الكاريكاتير تراجع في مصر على الرغم من تألقه في دول أخرى، وأن مستوى الفنانين التشكيليين الآن في مصر ضعيف، ويشير إلى أن الحقب السابقة كانت أكثر تفاعلا مع هذا الفن، معززا ذلك بقوله: رسمت جمال عبدالناصر بطريقة ساخرة، وتوقعت أن يقوم بسجني، لكنه فاجئني بضحكة صافية من قلبه، أما السادات فقد تعامل مع الموضوع بشكل آخر عندما تجرأت ورسمته في أحد الكاريكاتيرات، غضب وقام بوضع اسمي في القائمة السوداء، ومنعني من دخول مصر.
ويشير البهجوري إلى أن بدايته مع الكاريكاتير كانت من خلال فن البورتريه، الذي بدأه برسم الفنان الراحل حسين بيكار بطريقة ساخرة، ورغم ذلك استحسن بيكار موهبته وقام بتقديمه إلى الفنان الراحل صاروخان العام 1950، والتقى بعدها بالفنان أبو العينين عبدالغني الذي كان مسؤولا عن تطوير مجلة روزاليوسف مع إحسان عبد القدوس آنذاك.
وكان وقتها يطلب ريشة جديدة تغير من شكل أبواب المجلة، وأعطاه الفرصة كاملة للتعبير عن موهبته، فقام برسم العديد من القيادات وأنظمة الحكم بشكل كاريكاتيري يثير الضحك، ولم يكن هذا هو همه الوحيد بل تناول أيضا نجوم الغناء والطرب، والغريب أن الجميع أبدوا استياءهم.
القاهرة - (دار الإعلام العربية)


