لا يزال الجزر من الخضار التي تتمتع بشعبية كبيرة في الكثير من البلدان، ولدى شرائح اجتماعية عدة، ورغم أنه يفضل طازجاً، خصوصاً الصغير والطري والغني بالعصارة منه، فإن بالإمكان العثور عليه معلباً ومثلجاً، والأخير مفضل للطبخ لأنه يحافظ على فوائد الجزر الغذائية.
ويمكن تناول الجزر كواحد من انواع العصير المحببة والمفيدة، الغنية بـ «الكاروتين» والفيتامينات والمعادن. ومن أشهر انواع الكعك، كعكة الجزر فُُّْْ فًم الرطبة واللذيذة، التي عادت ما تخلط بالجوز واللوز والبهارات وغيرها.. ويؤكل الجزر مبروشاً ومقطعاً قطعاً ناعمة ويؤكل كما هو كاملاً، ويستخدم في انواع كثيرة من انواع السلطات، واطباق الحساء ومختلف المأكولات والحلويات (الجزرية العربية من أشهرها). وتكثر الوصفات الفرنسية التي تستخدم حساء الجزر القشدي، والسلطات التي تستخدم الجزر المبروش بالخل. ويمكن اكل الجزر مسلوقاً مع الزبد على حدة، ومقلياً ومشويا مع اللحم أيضاً.
انتشر الجزر من أفغانستان باتجاه دول منطقة الشرق الاوسط بين القرن التاسع والعاشر للميلاد، (خصوصا الجزر الليلكي والأصفر )، ومنها الى مختلف دول العالم. وتم العثور على أقدم بذور له في بعض المناطق في سويسرا والعراق (بابل)، ويعود تاريخ هذه البذور الى القرن الثامن قبل الميلاد. وكان الجزر معروفاً لدى اليونانيين وأبناء الامبراطورية الرومانية أيضاً. وقد اطلق عليه اهل اليونان اسم «فيلون» او «فيلترون»، («فيلو» تعني باليونانية محبة وتعني ايضا صديق)، واستخدموه كـ «دواء للحب»، إذ كان يجعل الرجال أكثر توقداً والنساء أكثر خصوبة. وأطلق أهل اليونان على الجزر اسمه العلمي فِّكَِّّ ذفَُّّيَفكف.
وتغير الاسم لاحقاً في القرن الثامن عشر الى فِّكَِّّ فُُّْف ،حتى لا يتم الخلط بينه وبين الـ «بارسنيب» ذفََّْيِ الأبيض الذي يشبهه تماماً. ولا يزال معنى كلمة «بارسنيب» بالعربية الجزر الأبيض، لكن الاسم الاخير الذي وصلنا ونستخدمه هذه الأيام بالانجليزية أي فُُّْْ فهو متدرج من الفرنسية الحديثة. ولا بد من الإشارة، إلى أن اليونانيين هم الذين حسنوا طعمه المر أصلاً، ليصبح أكثر حلاوة وصالحاً للأكل، ولذلك كان يستخدم في قديم الزمان للأغراض الطبية بكثرة. وتقول القصص:( كان طغاة سجون الرومان يطعمون النساء الأسيرات الكثير منه لجعلهن اكثر سمنة). وعرفت بلدان القارة الآسيوية مثل اليابان والهند،الجزر كمصدر أساسي للغذاء منذ القرن الثالث عشر، خلافاً للقارة الأوروبية التي لم تعرفه قبل القرون الوسطى.
وبعد أن غير الهولنديون لونه إلى البرتقالي، عبر تأصيل أنواعه (الأحمر والليلكي الداكن والأسود والأصفر والأبيض)، وإضافة مادة «الكاروتين بيتا» (نوع من 600 نوع من الصبغيات التي تعطي الخضار ألوانها الصفراء والبرتقالية) اليه، انتقل الى انجلترا أيام الملكة اليزابيث التي كانت تحبه مقلياً بالزبدة. وبعد ذلك انتشر عبر المستعمرات في استراليا والأميركيتين، وأصبح من الخضار الاساسية التي تستهلك على نطاق واسع.
ويعود انتشار اللون البرتقالي أيضا الى سبب آخر يتعلق بالتربة، إذ لم تنفع التربة في اليابان مع الجزر الأحمر ولم تنفع في أوروبا مع الجزر الأبيض، ولم تنفع مع الاصفر في الشرق الاوسط، ولم تنفع مع الليلكي والاصفر والاحمر في تركيا والهند والصين، لذا ساد البرتقالي في أنحاء المعمورة وأصبح أشهر من نار على علم.
ابن العوام: العرب جلبوا الجزر إلى أوروبا والأحمر أطيبه
أبو زكريا يحيى بن محمد أحمد بن العوام الاشبيلي الأندلسي، الذي اشتهر بعلم النبات وعلم الحيوان والفلك والطب. وله كتاب شهير من كتب التراث العربي، التي ترجمت الى لغات عدة وهو «كتاب الفلاحة» الخاص في الزراعة الأندلسية. ويعتبر الكتاب من المراجع العلمية القديمة في عالم الزراعة والتربة والري، التي استقت منه أوروبا الكثير من المعارف لاحقاً.
ومن المعروف ان ابن العوام ايضاً هو من اخترع عملية الري بالتنقيط، التي توفر نسبة كبيرة من المياه اثناء الري، وقد استخدم الجرار (فخار ) عند جذوع الاشجار والنباتات بدلاً من البلاستيك الذي يستخدم حالياً. يقول ابن العوام في «كتاب الفلاحة»: إن الرحالة العرب هم الذين جلبوا الجزر إلى القارة الأوروبية.
واهتم ابن العوام بالجزر بشكل كبير، وتحدث بالتفصيل عن نوعين منه - القرن الثاني عشر - الاول يتعلق بالجزر الاحمر، الذي وصفه بطيب المذاق وغني العصارة، والثاني الاصفر، الذي اعتبره اقل قيمة من الاول. ويقول في الكتاب ايضاً: إن الجزر كان يقدم في غرناطة واشبيلية وقرطبة مع بعض زيت الزيتون المخلوط بالخل أو المضاف الى خليط من الخضار والقمح.
وقديماً، اكتشف اطباء وجراحو الامبراطور الروماني نيرو، ان اهل اليونان استخدموا الجزر لمعالجة الأورام السرطانية. واستخدموا بذوراً برية لهذا النوع من الخضار الأليفة، لعلاج التهابات المثانة ولسعات الافاعي والعقارب السامة وتسهيل الطمث.كما استخدم أهل اليونان وأهل روما الجزر المطحون لعلاج التقرحات على أنواعها، وكانوا يعتقدون بأنه مريح للمعدة.
بعد الحرب العالمية الأولى، عرفت الولايات المتحدة الجزر البرتقالي اللون، خصوصاً في كاليفورنيا وميتشيغان وتكساس (هذه الولايات الأميركية تزرع الجزر على نطاق واسع لإشباع نهم استهلاك الأسواق والتصنيع الغذائي).
ومن هناك جاءت العلاقة بين الجزر والنظر. فبعد انتشار زراعة الجزر بشكل هائل، بدأت السلطات الأميركية بتوجيه نصائح للمواطنين، لتناول الجزر لأنه يحسن النظر ويقويه. ويعود هذا الى كون «الكاروتين بيتا» من المواد القوية المضادة للأكسدة، ومن شأن تناول الجزر بكثرة بالتالي، منع حصول إعتام في بؤبؤ العين.
إعداد - رشا عبد المنعم



