من الأعمال التي نالت الإعجاب في مهرجان برلين السينمائي في دورته ال59 الفيلم الروائي الطويل (في خصوص ايلي)، للإيراني أصغر فرهادي الذي كان قد تعرض لحصار الحكومة الإيرانية، قبل أن يتدخل الرئيس الإيراني أحمدي نجاد لنصرته.
وسبب الحصار مشاركة الممثلة غولشيفته فرهاني فيه، التي كانت قد اضطلعت بدور الممرضة التي يغرم فيها العميل ليوناردو دي كابريو في آخر أفلام ريدلي سكوت، (كتلة أكاذيب)، من دون أن تأخذ إذن الجهات المعنية في بلدها.
يلتقط فرهادي صورة لإيران من زاوية عريضة، وهي تبدو (حديثة) جداً مقارنة بمجمل ما شاهدناه من أفلام إيرانية في السنوات الأخيرة، نصاً وتمثيلاً وتصوراً. مجموعة شخصيات نتعرف إليها في البداية. من دون أن تتضح العلاقة بينها إلا رويداً وضمن كتابة سينمائية تتشكل جزئياتها الصغيرة أمام أعيننا. لنحو من ساعة تقريباً، لا نفعل إلا التعرف إلى نساء وأولاد يشكلون نماذج مما هو عليه اليوم المجتمع الإيراني المنفتح على الكثير من المسائل الحياتية.
وستكون هناك لحظات من الانجذاب والتماهي مع هذه المجموعة التي تذهب لقضاء عطلة الويك اند، في منزل مهجور على ضفاف بحر قزوين. النقاشات ستأخذ مداها بوتيرة عالية، والضحك والرقص والأغاني ستتعالى، لنكتشف الرابط بين الشخصيات المختلفة...
نتعرف أولاً إلى أحمد، العائد إلى إيران من ألمانيا، وهو عائد أيضاً إلى عزوبيته المريرة بعد ارتباط فاشل بألمانية. (سيبيديه ـ فرهاني)، التي تولت تنظيم الإقامة، طلبت من مدرّسة ابنتها الصغيرة، المدعوة ايلي، أن تنضم إلى الرحلة، من دون أن تخبر أحداً، في رغبة منها لتقريبها من أحمد، الذي يريد الاقتران من إيرانية هذه المرة. لكن هذا الفردوس الإيراني سينزل إلى الجحيم، ما إن تتيه ايلي في أمواج البحر الغدار، وهي تحاول إسعاف طفل من الغرق...
الحادثة هذه تأخذ الفيلم إلى مكان نقطة اللا عودة. فيتبين أن كل ما سبق الحادثة من مظاهر بهجة وود بين الشخصيات، ليست إلا أكاذيب تخفي الكثير من المرارة الدكناء. وهذا، في طبيعة الحال، سيشرع الباب على نزاعات بين الأزواج، وبين أطراف أخرى، وتُلقى مسؤولية غرق أو اختفاء ايلي على سيبيديه، وينهال زوجها عليها بالإهانات والضرب.
ثم سيكتشف هؤلاء علاقة ايلي المتأزمة بعائلتها وإخفائها عنهم واقع أنها مخطوبة من شاب آخر. وأكاذيب أخرى لا تعد ولا تحصى. وهذا الخطيب يطل فجأة، ويستدعى إلى مسرح الحوادث المأسوية، لتضاف إلى حلقة المصائب مصيبة جديدة. بنصّ بليغ في رصانته وكاميرا نشيطة في لملمة حركة الممثلين، يأتينا فرهادي بفيلم محكوم البناء منذ اللقطة الأولى.
طوال أكثر من 45 دقيقة، يهيئنا لخطاب سينمائي غير مباشر عن المجتمع الإيراني الحديث، قبل أن يقلب الطاولة على رؤوسنا في الجزء الثاني الذي يعتمل إشارات واستعارات لا تقرأ إلا ما بين السطور. بهذا الفيلم البديع عن الأكذوبة والنفاق في المجتمعات التي تحتاج إلى نقد ذاتي، دخل فرهادي قلوب النقاد من الباب العريض، شأنه شأن فيلم آخر لرشيد بوشارب، (نهر لندن)، عن الإسلاموفوبيا في لندن وحصد العملان جائزتين مختلفتين للدب الألماني.
