لا تزال الإجراءات المأمول اتخاذها لمحاصرة «وباء غش الأدوية» وظهور «تجارة الأدوية المغشوشة» وبيعها قاصرة وغير وافية، وعلى أمل أن يتنبه العالم لخطورة هذا الوباء. «الحواس الخمس» يحاول تحديد العوامل والظروف التي هيأت المناخ لهذا الوباء..
اليوم يدور الحديث حول الدور الذي أداه إطلاق حرية تملك وافتتاح الصيدليات في ظهور وترويج الأدوية المغشوشة.. وتؤكد عملية رصد ومتابعة لما هو حادث الآن بشأن الصيدليات، أنها فتحت المنافذ لتسلل الأدوية المغشوشة وبيعها ووصولها إلى المرضى بل تعاطيها وحصد الضحايا في العديد من البلدان، وحاولت الصيدليات مع أصحابها التربح، وأصبحت بعيدة عن أساس نشأتها «خدمة» هدفها شفاء المرضى..تقول نتائج عملية رصد لدور الصيدليات في هذه المأساة إنه حتى بداية السبعينات كانت الصيدليات في بلداننا العربية محصورة في تواجدها داخل العواصم وفي المدن الكبرى عواصم المحافظات والأقاليم، وكانت الصيدلية دائماً في المركز أو المدينة الكبيرة أو البندر، لكن الذي حدث الآن أن صغار القرى في الواحدة منها الآن صيدليتان وثلاث.
والصيادلة الذين كانت الناس تتعامل معهم على أنهم أطباء غير موجودين في هذه الصيدليات، وأصبح متواجدين فيها أناس لا علاقة لهم بالدواء سوى الخبرة في قراءة تقارير الأطباء «الروشتات» أو معرفة وحفظ أسماء الأدوية وعلب الأقراص والكبسول والمحاقن كيف حدث ذلك ...
تبعاً لأنه لا قيود على افتتاح الصيدليات فطن بعض ملاك العقارات الجديدة أن تتضمن الأدوار الأولى من بناياتهم إلى جانب محلات البقالة والجراجات أو المقاهي والمطاعم مكان لصيدلية، ولأن الصيدلي يمكنه فتح أي صيدلية أو أي عدد من الصيدليات يتشارك مالك العقار مع الصيدلي، ويتم الترخيص للصيدلية الجديدة.
والصيدلي أمامه فرصة الحصول على قرض من نقابته كما أن شركات الأدوية لا تشترط سداد ثمن الأدوية فوريا، المهم أن الصيدلي يأخذ ويبيع وبعدها يسدد، وفتحت الصيدليات وامتلأت بالأدوية وتعالوا ياناس اشتروا، ولا يهم أن يكونوا مرضى يحتاجون الدواء فعلاً، ولأن الصيدلية أصبحت تبيع الشامبوهات ومختلف أدوات ومواد التجميل، وظهرت فيها أحذية وشباشب طبية، امتلأت بمختلف أنواع السلع البعيدة عن الدواء والمرضى والحاجة للشفاء واسترداد العافية، وليس هذا مقصوراً على بلادنا العربية فقط، في البلدان الأوروبية الصيدلية تبيع الساعات والولاعات والأحزمة وعدد كبير من نوعيات الهدايا حتى كروت المعايدة..
ولأن المهم ترخيص يتشارك فيه الصيدلي أصبح الصيدلي لا يكتفي بصيدلية واحدة، فهو يفتح صيدلية في شرق المدينة وأخرى في الوسط، صيدلية في أول القرية وأخرى في آخرها أو في القرية المجاورة، وظهرت في المدن الكبرى مجموعة صيدليات باسم واحد والصيدلية الواحدة أصبحت «جروب».
تبعاً لذلك لا يمكن للصيدلي أن يتواجد في الصيدلية بعد أن كان يقطن فوقها أو قريباً منها، وكانت الناس تذهب له في نص الليل ويفتح الصيدلية ويعطيهم الدواء لأن المريض يحتاج تعاطيه فوراً، شعورا بدوره الإنساني، وكان الصيدلي يساعد المريض ويصف له كيف يتعاطى الدواء بالتحديد، الآن حل مكان الطبيب في الصيدلية صيادلة صغار هم في الحقيقة يعملون مؤقتاً على أمل امتلاك صيدلية في المستقبل القريب.
وكان لابد من معاونين وهم موظفون وعمال، بالوقت تعرفوا على الأدوية وحفظوا الأسماء جيداً وأصبحت خبرتهم على نحو جيد يروج البضاعة لدرجة أنهم يساعدون في وصف وتحديد الأدوية التي يريدها المرضى غير الحاملين لوصفات طبية بمعرفة الأطباء، وبعضهم أصبح ماهرا لدرجة أنهم أكثر فهما للتعامل مع المرضى ويرتاحون لهم أكثر من الصيادلة أنفسهم.
وكان لابد من ترويج البضاعة لذا أصبحت الصيدليات تبيع الدواء مثلما تبيع محلات البقالة ما فيها تحاول الصيدليات «تربية زبائن» والمريض أصبح «زبونا» وليس «مريضاً» يعاني من مرض يبحث له عن دواء، ولا تستطيع مثلاً أن تذهب لصيدلية بوصفة طبية «روشتة» فيها جملة أنواع من الدواء إذا لم تجد أحدها وكنت ذهبت إلى صيدلية أخرى لشرائه، يغضب منك صاحب الصيدلية الثانية، سواء كان صيدليا أو موظفا أو عاملاً ويعتذر عن توفر الدواء لأنك ذهبت لصيدلية غيره..
الصيدليات تحاكي محلات البقالة تماماً بتمام وظهرت خلال السنوات الأخيرة إعلانات على أبواب الصيدليات تقول: توصيل الطلبات إلى المنازل مجاناً، وأصبحت الأدوية المطلوبة «طلبات» لأن الصيدلية بعدما كانت لا تبيع المناديل الورقية أصبحت تبيع أشياء عديدة، وأمام الصيدلية تتوقف دراجة عامل الصيدلية المكلف بتوصيل الطلبات للمنازل.
أما الصيدلي فقد تغير سلوكه وطريقته في التعامل مع المرضى وطالبي الأدوية والمستلزمات الطبية، في السابق كان الصيدلي بمجرد أن يدخل أهل المريض ومعهم الروشتة يبدو عليه التألم للمريض، ويقول «ألف سلامة» ويبدأ تجهيز الأدوية المطلوبة ويسأل عن حالة المريض ويطيب خاطر أهله.
لكن الآن وكما يقول أحد المرضى أصبح الصيدلي يقابل المرضى بابتسامة مماثلة لـ «ابتسامة بائع البطيخ» لا يهمه شيء سوى البيع لا يهمه سوى ترويج البضاعة، واستبدل الصيدلي هذه الروح بـ «رغبة في الثراء» وتسمع عن الصيدلي مثلا إنه «ما شاء الله عنده 3 صيدليات» وأصبح بعضهم يزاول أنشطة تجارية إلى جانب مهنة الصيدلة التي سبقت مهنة الطب أصلا.
من هنا تحول الدواء إلى سلعة ليس لها هدف نبيل وُجدت من أجله، والهدف الآن هو بيعها، من هنا وجد المتعاملون في غش الأدوية منافذ لبيع بضاعتهم، وهم يعملون مثلما تعمل شركات المواد الغذائية أحياناً يبيعون للصيدليات ويتم تحصيل ثمن الأدوية بعد البيع، باسم شركات دوائية لا يهم الصيدلي جديتها أو نزاهتها أو إن كانت شركات حقيقية أم مزورة تغش الدواء وتبيعه..
الصيدلي أو الموظف أو العامل في الصيدلية أصبح يتدخل أحياناً في تحديد نوع الدواء المطلوب، ويروج ماعنده ويعطيه دون أي اعتبار لآثار الدواء الجانبية، ان كان ليس هو المطلوب لعلاج المرضى تحديداً، والمهم أن الطلبات ستباع وستصل إلى المنازل كما يقولون.
بعض الصيدليات يقف أمامها صبيان يحاولون جذب من يحملون روشتات طبية لصيدلياتهم، بعض الصيدليات ترسل هؤلاء الصبية لعيادات الأطباء ينتظرون الخارجين منها لاصطحابهم إلى الصيدليات التي يعملون فيها، بعض الصيادلة يوثقون صلاتهم ببعض الأطباء لكي يرسلوا إليهم المرضى بعد نصيحتهم بأن الدواء كله متوفر في هذه الصيدلية. الصيدلي أيضاً أصبح يقوي صلاته بالزبائن لعيادتهم، ويقاطعهم إذا رآهم يشترون الدواء من صيدليات أخرى.
مرة أخرى إن إطلاق حرية افتتاح وتملك الصيدليات والمتاجرة في الأدوية بهذه الروح أوجد سوقا وفرصا لبيع الأدوية المزورة المغشوشة لابد من وقفة عالمية خاصة في بلداننا العربية بعد أن أصبحت أخلاقيات الصيدلة أخلاقيات «متاجرة» كتلك الموجودة في أسواق الخضروات واللحوم، لابد أن تعود للصيدلي أخلاقياته ونزاهته، ويتم اتخاذ إجراءات صحيحة وصارمة في خطوات وطلبات الترخيص للصيدليات الجديدة، فكثيرا من طلبات الترخيص لمقاه ومطاعم تُرفض من السلطات المحلية في بلداننا بحجة أن المنطقة بها مقاه ومطاعم كثيرة، لكن افتتاح الصيدلية أصبح من السهولة لحد زيادة بعضها عن الحاجة.
دبي - جمال توفيق السكري

