نشأت صناعة «الأفيش» مع صناعة السينما، وصارت معها خطوة بخطوة تحكي إخفاقاتها ونجاحاتها، حيث كان الأفيش هو المفتاح الأول للفيلم السينمائي وعلى أثره يحدد المتفرج هل يشاهد الفيلم أم لا؟..

لكن هذا كان حال الأفيش قديمًا، أما الآن ـ ومع تطور صناعة السينما خضع الأفيش لعدة عوامل تسببت في فقدان معناه، وتراجعه لدرجة جعلت الكثيرين يترحمون على أفيشات أفلام زمان.... هذا التغير وأسبابه والفرق بين أفيش زمان والآن كان محور حديث صانعي الأفيش والنقاد.. وإلى التفاصيل.الناقد محمود قاسم صاحب أول موسوعة لأفيشات السينما يتفق مع القول بأن الأفيشات الآن تختلف كثيرًا عن الماضي، فبينما تفتقر الأفيشات الحالية إلى فنيات الأفيش بسبب تدخل التكنولوجيا، كان قديما ينفذ الأفيش بشكل فني به إبداع تشكيلي نتيجة لجوء المنتجين إلى فنانين يمتلكون موهبة الرسم، وكان من أشهرهم المبدع «حسن جسور» الذي نفذ عددًا من أهم أفيشات السينما.

يواصل قاسم المقارنة بين فنيات الأفيش قديما وحاليا، موضحا أن شكل الأفيش أيضا اختلف، فالآن أصبح أمرا طبيعيا أن نرى صورة النجم على الأفيش، بينما كان في الماضي نرى النجم من وجهة نظر إبداعية وفنية يتصورها راسم الأفيش، كما كان الأفيش يتميز بالسلاسة والبساطة، ما يؤدي إلى إراحة عين الجمهور واستيعابه للأفيش، أما الآن فإنه أكثر ازدحاما.

ويضيف صاحب أول موسوعة لأفيشات السينما أن أفيشات الأفلام في الماضي كانت تروي تاريخ السينما، وتقدم لوحة فنية تتمتع بقدر من الجمال، وتعبر في نفس الوقت عن مضمون الفيلم، مدللا على ذلك بأفيش فيلم «الناصر صلاح الدين» الذي عبر بلوحة فنية عن تاريخ صلاح الدين قاهر الصليبيين، وفي نفسه الوقت عبر عما أخرجه يوسف شاهين.

فنيات الأفيش القديمة، بحسب قاسم، يصعب تحقيقها الآن بسبب إصرار نجوم الفيلم على الظهور على الملصق، لافتا في هذا الصدد إلى مشكلة أخرى تتكرر مع كل فيلم جديد وهي ترتيب أسماء النجوم، وهو الأمر الذي صنع عددا من الأزمات بين الأبطال وبعضهم البعض، وكذلك شركات الإنتاج، ما دفع المنتجين إلى وضع صور الأبطال على الأفيش والاكتفاء بذلك، وحجب الأسماء.

ولكن هذا أيضا أثار أزمة بين النجوم بسبب حجم الصورة على الأفيش، وكان من أشهر هذه الأزمات أفيش فيلم «الريس عمر حرب» الذي تسبب في أزمة بين سمية الخشاب وغادة عبدالرازق، ولتلافي ذلك قامت الشركة المنتجة بتصميم أكثر من أفيش في أوضاع مختلفة كنوع من إرضاء النجوم، وهو نفس النهج الذي اتبعته أفلام أخرى مثل «ليلة البيبي دول، حسن ومرقص، كباريه، عمارة يعقوبيان».

ظاهرة أخرى يشير إليها الناقد الفني أساءت لصناعة الأفيش في الوقت الراهن، وتتعلق بالأفيشات المأخوذة عن أفيشات الأفلام الأجنبية، وهذا ما حدث في فيلم «أمير الظلام» للفنان عادل إمام الذي كان مقتبسًا من أفيش فيلم «الأب الروحي»، وكذلك «عيال حبيبة» للمطرب حمادة هلال من فيلم «زورو»، و«ملاكي إسكندرية» منقول من فيلم «سٌُّْل ئيَّو» لجون ترافولتا.

إلى هنا يؤكد الناقد رفيق الصبان أن ما نشاهده الآن في أفيشات الأفلام هو عبث بالإبداع الفني الذي كان في الماضي يحمل قدرا كبيرا من الإبداع والجمال، ويعبر عن مضمون الفيلم عن طريق الرسم الفني، وكأنها لوحة فنية كبيرة يتفقدها المشاهد وتجذبه.

ويشير إلى أن الأفيش الآن في تراجع مستمر، وذلك لعدة عوامل أولها يتعلق بشركات الإنتاج التي تسعى جاهدة إلى تصميم أفيش يحتوي على جميع أبطال الفيلم كنوع من إرضائهم، إلى جانب «رص» الصور والأسماء دون النظر إلى جماليات الأفيش، أو التعبير عن مضمون الفيلم، وهذا بدا واضحا في أفيشات الأفلام الأخيرة مثل «رمضان مبروك أبو العلمين حمودة، الدادة دودي، المشمهندس حسن، رامي الاعتصامي» وغيرهم.

وبدوره يؤكد عادل مبارز أحد مصممي الأفيشات أن سبب تواضع مستوى الأفيشات في الفترة الأخيرة لم يكن بسبب المصمم في المقام الأول، لأن هذا الشخص يقوم بتصميم الأفيش بناء على تحديد الفكرة التي يدور في إطارها الفيلم، فأحيانا يكون موضوع الفيلم هو البطل في الأفيش، وأحيانًا يكون اسم الفيلم نفسه هو البطل مثلما حدث في «حرامية في كي جي تو» أو «أكاديمية الحب» أو «ابن عز».

بينما تقول مصممة الأفيشات هالة جسور إن ما نراه الآن إنما هو مأساة يعيشها الأفيش، والسبب في ذلك أن المنتجين يتعاملون مع الأفيش كنوع من الاحتكار فأصبحوا يتحكمون في الأفيش وتصميمه، كما أصبح الأفيش يفتقر إلى الفنية والإبداع، فكان في الماضي فكر المبدع هو المتحكم في الأفيش، ولم يكن بناء على طلب الشركة المنتجة.

من جهته يدافع المنتج وليد التابعي عن المنتجين السينمائيين بقوله إن السبب في تراجع صناعة الأفيش هو التطور التكنولوجي، وقد يتسبب فيه أيضًا المصمم، بينما كل ما يفعله المنتج هو توضيح الرؤية للمصمم، وعلى المصمم أن يقوم بتنفيذ هذه الرؤية كما يراها.

القاهرة - (دار الإعلام العربية)