في الرابع والعشرين من شهر ديسمبر عام 1964، وحين كان العالم يتهيأ لاحتفالات عيد الميلاد للسيد المسيح «عليه السلام»، ووسط انهمار غزير للمطر في تلك الليلة؛ فاضت روح حزينة يملأها الألم من هذا العالم، غير عابئة بصراع البشرية فيما بينها على حطام الدنيا الزائل ..
ويسير الموكب الجنائزي من شاطئ الخليج في المستشفى الأميري الكويتي متجهاً صوب البصرة وتحديداً صوب «جيكور» التي تعني بالفارسية «بيت العميان» أو «جدول العميان» حيث «بويب» و«شناشيل ابنة الجلبي» و«منزل الأقنان» ورسوم دار بقت أطلالها لأبي غيلان الشاعر العراقي بدر شاكر السياب، ذلك الذي كتب التراجيديا العراقية بحروف جسده المنهك وآهاته.. وعيناك غابتا نخيل ساعة السحر أو شرفتان راحة ينأى عنهما القمر، مطر... مطر.. وأنشودة المطر، ليأتي بعد مرور نصف قرن من الزمان من يدوّن عذاباته وأحلامه بعراق متأنق بالسلام بعيداً عن الخراب، فيسجل عبر اللوحات التعبيرية تلك الآمال والآلام، إنه الفنان المصري عمرو هيبة في معرضه «مطر السياب» بقاعة قباب في أبو ظبي.
في «مطر السياب» الذي عرضه عمرو هيبة القادم من تاريخ الحضارة المصرية القديمة، ملتقياً بصوت السياب القادم من حضارة وادي الرافدين؛ هناك عدة قراءات لا يمكن حصرها بهذه العجالة، وربما تكمن القراءة الأكثر تعبيراً عن أعمال «هيبة» في محاولته المزاوجة بين «شخص السياب» و«قصائده» و«الحالة الراهنة التي يمر بها العراق» التي قدمها الفنان من خلال رؤية قومية، ربما تبتعد بعض الشيء عن رؤية السياب- ولقد حاول الفنان من خلال لوحاته ال«40» التي قدمها بتقنية الرسوم التخطيطية بالفحم وأقلام الرصاص.
والتي تحمل مسميات «الجرافيك» أو «الاسكتشات» البسيطة من حيث التكنيك، العميقة من حيث حشد الرمز؛ حاول أن يخلق علاقة بين اللوحة والتكوين وروح القصيدة السيابية الرئيسية «إنشودة المطر» التي ردد أبياتها من على فراش المرض في الكويت، فهل استطاع الفنان المصري بث تلك الروح في لوحاته ومنحها هبة الوجود عبر فرشاة الرسم؟
أنشودة المطر
إن الفنان عمرو هيبة بتجريده للنص الشعري «أنشودة المطر» يدخل منطقة صعبة في محاكاة النص تعبيرياً، فهذا يتطلب شرطين أساسيين لا بد منهما لخلق تلك المحاكاة، يكمن الأول في امتلاك الفنان لأدوات وثقافة موسوعية عالية للتعامل مع النص.
وربما تمكن الفنان من امتلاك الكثير من تلك الأدوات بحكم دراسته وثقافته التراكمية التي اكتسبها خلال وجوده لفترة طويلة في ألمانيا وشخصيته الغرائبية في رؤية العالم وماهية الوجود الإنساني، أما الشرط الآخر والذي أفقد بعض لوحات المعرض الطريق إلى التوغل في النص الشعري ومحاكاته روحياً.
فيكمن بالمعايشة الواقعية للحياة العراقية - والبصرية بصفة خاصة- والغوص بمفردات تلك الحياة والأمكنة التي جردها الشاعر السياب من أحجارها وتكويناتها المرئية ليلفها بإطارٍ أسطوري وصور لا تخلو من الترميز، لتعيش خالدة معه كلما جرى ذكر اسم الشعر الحديث، وسنعرف بأن الفنان عمرو هيبة لم يسطع تقمص تلك الروح والأمكنة من هذه الناحية ليلجأ إلى المخيلة القومية المتولدة من عوامل شتى.
نظرة قطرية
إن خصوصية الأمكنة التي نتحدث عنها لا تعني بالضرورة تلك النظرة القطرية الضيقة التي تصاعدت في المنطقة بعد أحداث 1990م وما تلاها؛ ولكنها تدخل في مديات أبعد بكثير عن ذلك التاريخ، فالمشاهدة الخارجية للمكان لا تكفي للتعبير عنه، وتحجيم النظرة عما يدور بالعراق من خلال وسائل الإعلام، يضيق أفق المبدع.
ونذكر هنا مرة أن مثقفاً تونسياً سألنا حول «بويب» ذلك النهر الذي ذكره السياب بقصائده، واستغرب حين عرف أنه «جدول أو ساقية صغيرة» أو ما يسمى بالعامية المصرية «ترعة» لأنه كان يظن انه نهر عظيم الشأن، فأجرى تعديلاً في المقالة التي كان يكتبها عن السياب وفق «التصور» الجديد، ويبدو أن الفنان عمرو هيبة قد صنع له «سيابا» آخر تختلف ملامحه عن ذلك الذي يعرفه العراقيون، وإن كان الاختلاف ليس لدرجة كبيرة.
قنابل العم سام
لقد اشتغل الفنان على شخص السياب وشخصيته؛ لا على روح قصائده ونصوصه، فغاب النص وتوارى خلف تلك الملامح التي رسمها، وبدا واضحاً الحس القومي المتنامي لدى «هيبة» على حساب الخصوصية التي يحملها المكان العراقي، حيث التعبير عن خيبة الأمل بمصير ومستقبل العراق بعد الاحتلال الأميركي للعراق 2003م.
حيث ركز الفنان في معظم رسومه على الرمز التعبيري لصورة «العم سام» وهو يتلذذ بعذابات الدمار العراقي، مبدلاً «المطر» الذي كان يحلم به السياب بالقنابل المميتة التي تلقيها طائرات الغرب على رؤوس النخيل والبشر في بلاد الخير العراقية التي يجوع شعبها بينما يرفل أعداؤها بنعيمها على مر الأزمنة.
إن عمرو هيبة في بعض لوحاته بمعرض «مطر السياب» استطاع إلى حد كبير؛ التعبير برمزية عالية عن آلام السياب وأحزانه التي لم تنفصل يوماً عن الحزن العراقي، فنجده يلامس تلك الأحزان ويقترب منها إلى درجة كبيرة، حاشداً في محاولته العديد من الرموز ووجه السياب الناحل وهو ينظر للعراق من بعيد.
أبو ظبي- محمد الأنصاري


