أغاني التراث في أي أمة هي واجهة الشعر العامي فيها، وهذا الشعر عنصر مهم من عناصر التراث لأنه أحاسيس ومشاعر وذكريات أكثر منه نظم وحفظ وترديد، وإذا كان الشعر العامي يحتل هذه الأهمية عند الناس في كل بلداننا العربية عامة فإنه عند اللبنانيين يمثل أهمية كبرى لدرجة أن أغاني التراث اللبناني تكاد تكون مشهورة في كل البلدان العربية، لأنها تمثل ذلك الجزء الذي يستسيغه الشعب من الشعر الشعبي والأقرب إلى عواطفه ومشاعره وتطلعاته ويرددها أبناء البلد في مختلف المناسبات.

ولكن في حقيقة الأمر تشهد الساحة الفنية في لبنان غياباً لافتاً للأغنية التراثية اللبنانية الا في ما ندر، بحيث غرقت السوق المحلية بأغنيات متنوعة اللهجات بين المصرية أو الخليجية وحتى التونسية. صحيح ان التلوين دليل على عافية المجتمع وقدرته على امتصاص مختلف الثقافات، إلا أن انتشاره على حساب اللهجة المحلية يثير اكثر من علامة استفهام. لا سيما حين يندر وجود شريط غنائي لمطرب لبناني يحتوي على أغنيات تراثية لبنانية بالكامل، والتي لا تتعدى نسبتها ال30% من مجمل اغنيات أي ألبوم جديد، وحين يشارك الفنانون اللبنانيون في المهرجانات المسرحية العربية نجدهم يغنون كل اللهجات إلا لهجتهم اللبنانية.

وقد افقد هذا الأمر الأغنية اللبنانية سفراءها في الخارج، باستثناء قلة، منهم ملحم بركات ونجوى كرم وباسكال صقر وغسان صليبا،ربيع الأسمر أيضا من المساهمين أساساً في نشأة الأغنية اللبنانية وانتشارها وهو ضمن فريق يضم فيلمون وهبي وسامي الصيدأوي والرحابنة وزكي ناصيف ووديع الصافي الذين تعود محطات الاذاعة اللبنانية والعربية الى أرشيفهم الغني لتبث أغنياتهم في أوقات مختلفة من النهار.ويثير هذا الواقع الكلام عن سبب تهافت معظم الفنانين اللبنانيين اليوم على مختلف الألوان الغنائية على حساب تراثهم وجذورهم الفنية..

ولعلّ ما يعرفه الجيل الجديد عن الأغنية التراثية في لبنان محدود جدا مقارنة بالارث الكبير الذي تركه لنا الاخوان رحباني والسيدة فيروز. وبدراسة واقع الأغنية الشعبية اللبنانية نجدها تتنوّع شعرا ولحنا بينألاالعتابا والميجنا وغيرهما.

و«العتابا» مشتقة من كلمة العتب، نسمعها في أغاني الحب ألاالمعبرة عن الفارق المؤلم بين المشاعر التي يكنّها المحبّ لحبيبه، والواقع الذي يجري عكس ما تشتهي السفن. فنراه تارة يعاتب الحبيب الذي نسي حبّه القديم، ألاوتارة يعاتب القدر الذي ألايفرّق بين العشّاق. ونظرا لارتباطها بالعاطفة سواء كانت حب الوطن أوالفرح، واليأس، والسهر، والشوق، والصدّ، واللهفة، دخلت العتابا أعراسنا، وسهراتنا لترافق أفراح الزفاف، وقطاف الزيتون.

ولم يعرف مصدر هذا النوع من الغناء، هل هو عربيّ ام سريانيّ لأن الزجل اللبناني، والعتابا جزء منه تأثّرا في نشأتهما بالالحان والصلوات السريانية. بالرغم من ألاالاعتقاد ألابأنه نوع من الشعر العامّي اخترعه أهل البادية، فإنه قريب جدا من «الميمر» الذي اخترعه السريان، وذلك من حيث عدد الأبيات والأشطر، وعدد الوحدات الصوتية، والجناس في الأشطر الثلاثة الأولى، الخ. والفرق بينهما أن الميمر ينتهي براء ساكنة، في حين بيت العتابا ينتهي بباء ساكنة أو بألف.

ألاأما الرأي الأرجح الذي يتمسّك به معظم الموسيقيين والمؤلفين كمنصور الرحباني، وجورج جرداق، ومارون كرم، فهو أن العتابا عراقيّة المنشأ. فالعراق عرف شعرا قريبا جدا من العتابا يعرف بال«أبوذيّة» ويختلف عن العتابا بأن الشطر الرابع منه بنتهي ب«يّة» وليس بباء ساكنة أو ألف. ألاوهكذا تكون العتابا قد انتقلت الى العرب البدو من العراقيين، حتى وصلت الى لبنان.

وتبدأ العتابا عادة بكلمة «أوف» تعبيرا عن الضجر أو الوجع كمن يقول «أفّ» أو «آخ» وبعدها البيوت الشعريّة مثل:

جبل لبنان عم بدقّ عودوألاألاعلى الأوطان

يا غيّاب عودوا وأرز الرب ما بيخضرّ

عودوألاحتى تلتقي بظلّوا الحباب

والميجنا تماما كالعتابا، حيث يعتقد انها متحدّرة من الأبوذيّة، وهي مرتبطة بالعتابا بما فيها من ملامة وتظلّم: يا ميجنا يا ميجنا يا ميجناألاألاألا امّك لعينة وجابتك ألعن منا.

وفي لبنان نقول «عتابا وميجنا» وذلك لأنهما توأم، فلا تذكر واحدة إلا وتذكر الأخرى. فمثلا، تذكر العتابا في مطلع الميجنا أو ما يسمّى بالكسرة: حلوة العتابا بوجود حبابنا، أو « غنّوا عتابا تا نسلّي بعضنا».

أما بالنسبة لمعنى كلمة ميجنا، فكثرت الآراء. ويقول الكاتب اللبناني مارون عبّود ان أصل الكلمة «يا ما جانا» أي ما أكثر ما أصابنا في حين يرجع أنيس فريحة الميجنا الى أصل سرياني منحدر من «نجن» أي اللحن والغناء، ويذهب البعض إلى أنها مشتقة من لفظة «الميجنة» بالفصحة وهي المدقّة التي يستخدمها مبيّض الثياب.

والقصة الشعبية تقول انه كان لأمير عربي ابنتان: عتابا و ميجنا. أحبّت عتابا شابا مات قبل ان تتزوّجه فأمضت حياتها تبكيه عاتبة على الدهر الذي تسبّب لها بالأسى. في محاولة للترفيه عن اختها، نظمت لها ميجنا بيوتا شعرية تنتهي بال «نا» التي توحي بالفرح ألابدلا من الباء الحزينة، الجامدة.

ألاوالميجنا التي تأتي قبل أو بعد العتابا تسمّى «الكسرة». من هنا يقال: غنّوا العتابا واكسروا الميجنا، و كسّر بالعامية تعني عزّى وهوّن. ألا

ألا وتقودنا الجملة الأغنية بمطلع ع الروزنا ع الروزناألاكلّ الحلا، فيها شو عملت الروزناألاحتّى نجافيها إلى الحديث عن الأغنية الشعبية اللبنانية المعروفة بالروزنا.

هنالك عدّة روايات حول أصل هذه الأغنية. يروى عن حسناء إسمها روزنة أحبت شابا لكن أهلها زوّجوها بغيره، فغنّى لها حبيبها هذه الأغنية.

ويحكى ايضا ان فتاة عراقية في مدينة الموصل كانت تتبادل أحاديث الحب مع أحد أقاربها عبر كوّة في جدار بيتها. أهل الموصل يسمّون هذه الكوّة روزنة، وتعرف في بغداد بالرازومة.

فلمّا علمت أم الفتاة بأمرها، أقفلت الكوّة وقالت: ع الروزنا ع الروزناألا كل البلى بيها فردت الفتاة على أمها: شو عملت الروزناألاألاألا حتى تسدّيها اخيرا، الحكاية التي يرويها لنا منصور الرحباني وانطوان غندور هي عن فتاة لبنانية من قرية قرب صنين تدعى روزنا أحبّها شاب تطوّع في جيش ابراهيم باشا المصري. وعندما عاد الى البلدة وجدها متزوجة، فغنى لها مطلع أغنية الروزنا اما الذّلف فهو الانف الجميل، وان أمّ الذلف هي الحسناء الجميلة، وأبو الذلف هو الشاب الوسيم.

من حيث البنية، يبدأ أبو الزلف بعبارة «هيهات يا بو الزلفألاعيني يا موليّا» ، وأحيانا يستبدل كلمة «بو الزلف» ب«أم الزلف».

البيوت الأربع التي تلي المطلع هي ذات قواف صدورها واحدة، وقواف أعجازها واحدة ومختلفة عن قافية الصدور. تنتهي قافية الصدر الأخير بنفس قافية المطلع أي «يّا».

ويعتقد ان كلمة موليّا تحريف للفظة «مولاي»، لذلك يرجّح البعض ان ابو الزلف ظهرت على قبور البرامكة وعلى ألسنة جارياتهم اللواتي كنّ يندبنهم بعد ان نكبهم الخليفة العباسي هارون الرشيد. ويقال ان أوفى هذه الجواري واسمها «دنانير» رفضت الغناء لهارون الرشيد بعد مقتل سيّدها يحيا بن خالد البرمكيّ، وهذا ما يفسّر ايضا اللحن البطيئ والمائل الى الحزن الذي يتميّز به ابو الزلف.

دبى - رشا عبد المنعم