راندي روبنسون الذي يعرف بلقب «الثور» ـ يلعب دوره ميكي رورك، مصارع تقادم به العمر، ويعيش في منزل متنقل في نيوجيرسي، حيث يعمل في متجر صغير لتسديد فواتيره والتزاماته المادية.
أيام مجده وعزه ولّت وبدأ جسده يهن ويشيخ، لكنه لا يزال يتواصل في ارتياد حلبة خاصة بالمصارعين القدامى، حيث يتفقون فيما بينهم ويتظاهرون بالتصارع في حركة أشبه بالرقصة المرسومة مسبقاً، بما في ذلك إحكام قبضاتهم أو حتى ضرب بعضهم بألواح من الزجاج، في محاولة للحفاظ على مجدهم المتداعي.راندي يصارع بهدف إرضاء امرأتين في حياته: ابنته ستيفاني التي تعيش في حالة من الغربة (تلعب دورها ريتشل إيفان وود) وكاسيدي راقصة التعري المتحجّرة المشاعر (تلعب دورها ماريسا تومي). أما أكبر معركة عليه خوضها فهي صراعه مع نفسه ومع عالمين أحدهما لفظه والآخر ينقض على حياته وينهيها.
المخرج دارين آرونوفسكي (من أعماله السابقة «باي» و«قدّاس من أجل حلم» يأتينا بفيلم من الوزن الثقيل، يشهد عودة رائعة للنجم الكبير «ميكي رورك، الذي يقدّم واحداً من أروع أدواره من خلال عمل حصد جائزة الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا 2008، وجائزتي الكرة الذهبية وبافتا كأفضل ممثل عن هذا الدور، وفاز أيضا بالكرة الذهبية لأفضل أغنية، وهو مرشح لأوسكار أحسن ممثل وأحسن ممثلة في دور مساعد.
الفيلم الذي يعرض الآن في صالات السينما المحلية، عبارة عن ميلودراما عادية لكنها متوازنة تصور زوال مجد ذلك المصارع الذي تحول إلى كهل بقلب ضعيف ويحتاج إلى ممارسة المصارعة كي يعيش في وقت لا يتقن فيه ولا يطيق ممارسة أي مهنة أخرى.
ويؤدي «رورك» شخصية المصارع الكهل الذي يشارك في عروض استعراضية، في حلبات تدار للرهان، ويقوم المصارع الذي كان يوما من أبطال هذه الرياضة، بابتذال نفسه كل ليلة، ليرضي شبق الجمهور لمتابعة اثنين من اللاعبين يقوم كل منهما، بإيذاء الآخر.
وإحداث أكبر قدر من الإصابات في جسده، حتى تسيل دماؤه، ويرتوي عطش الجمهور الوحشي، للمتابعة، ويتفنن المصارع في إحداث آلام بجسده بالاتفاق مع خصمه أو زميله في العرض.
ويضرب أحدهما الآخر بكتلة خشبية مليئة بالمسامير البارزة، تقطع لحمهما أمام الجمهور، فيصرخ من الانتشاء والسعادة الهمجية، ويحدث أن يصاب المصارع بأزمة قلبية، وينصحه طبيبه بالابتعاد عن حلبة المصارعة، وعندما يفتك به الإحساس بالوحدة، يفكر في صديقته راقصة التعري التي حولتها مهنتها إلى جسد بلا روح،.
حيث تنظر إلى الواقع من خلال عالم مادي منطقه ادفع لتنال ما تريد دون أية أحاسيس، مما يدفعه إلى البحث عن ابنته الوحيدة، فيلقى منها هجوما ومعاملة قاسية، وخاصة بعد أن يخبرها بمرضه، فتصرخ فيه.
وتخبره أنها لن ترعاه مطلقا لأنه لم يفكر في رعايتها عندما كانت طفلة في حاجة للرعاية، وعبثا يحاول التقرب منها، أو استمالتها ولكنها تزداد قسوة ونفورا، فيضطر للعودة لحلبة المصارعة ليموت وسط الجمهور الذي يصفق له، ويهلل باسمه وهو يقفز «قفزة الموت» في لقطة رائعة ومفاجئة تعبر عن نهاية الفيلم والبطل معا.
فيلم «المصارع» ينضح بالأحاسيس من كل زواياه، ولا يمكن تصوره دون «رورك» الذي أضفى عليه قوة وحيوية، خصوصا في المشاهد الإنسانية مع الأطفال الذين يعشقونه كمصارع أو في محاولة تأقلمه مع عمله كبائع في السوبر ماركت، أو عندما يلجأ إلى ركن المحاربين القدامى عارضا صوره وكتبه وتاريخه للبيع، أو حتى في محاولاته لاستعادة ابنته ورحلته معها إلى أماكن جمعته بها عندما كانت صغيرة، لكن مشاهده الأكثر إثارة هي عجزه بعد عملية القلب عن بذل أي مجهود في الوقت الذي تغريه المصارعة بالعودة إليها.
كل مشهد في الفيلم يسلمك للآخر في بناء معماري شديد الإحكام، يتصاعد في رقة وقوة، وكأنه سيمفونية من الأضواء والظلال والمشاعر المحسوسة والمنطوقة.
ومن أجل تمثيل دوره في هذا الفيلم تعرض ميكي رورك لبرنامج تمارين قاسية حيث اضطر صاحب الـ 52 عاما القيام بتمارين رفع الأثقال واتباع حمية غذائية شديدة من أجل أدائه دور المصارع، وهو أمر أقرب إلى القسوة لاضطراره قضاء سبعة أشهر ونصف في صالة رياضية من أجل تحسين صورته الجسدية.
الغريب في فيلم «المصارع» قرب قصته الشديدة من حياة «ميكي رورك» الخاصة، والمؤثرة جدا، حيث كان يعيش في بيت متواضع مع كلبه المدلل بعد سنوات طويلة قضاها بعيدا عن الأضواء، بعد أن ارتبكت حياته نتيجة تعاطيه المخدرات.
وتورطه في مشاكل مع الشرطة بعد أن اتهمته زوجته السابقة بضربها بعنف، الأمر الذي كاد يصل به إلى السجن، وابتعد عنه المنتجون، بعد أن كان نجما ذائع الصيت في بدايات الثمانينات من القرن العشرين، وقبع «رورك» في منزله واضطر تحت ضغط الحاجة، لقبول أدوار صغيرة في أفلام تافهة لمجرد التواجد وحتى يجد قوت يومه، إلى أن ابتسمت له الدنيا، وطرق بابه مدير أعماله الحالي، وعرض عليه أن يتولى مهمة إعادته للأضواء مرة أخرى، بشرط أن يقلع تماما عن تناول المخدرات والخمور.
ومن هنا يأتي جمال هذا الفيلم ومتعته، الذي يؤكد أن الحياة مستمرة، والصور والحكايات تتكرر بشكل أو بآخر، وأن علينا أن نواجه الحقيقة بكل قسوتها في لحظة ما.
دبي ـ أسامة عسل

