لايزال الحديث عن تجارة الأدوية المغشوشة مستمراً، وعلى الرغم من عدم تنبه العالم بشكل جدي لخطورة (وباء الأدوية المغشوشة) فقد تناثرت التقارير هنا وهناك في بلدان العالم المختلفة، ومنها بعض بلدان الغرب التي لم تسلم هي أيضا من بيع وتداول الأدوية المغشوشة وتقول أحدث تقارير المراقبة لحركة (وباء الأدوية) المغشوشة ان نبش المخلفات الناتجعن تأدية الخدمة الصحية في المستشفيات مهد السبيل لـ (تجارة الأدوية المغشوشة).

وأحدث وقائع هذه المشكلة في مصر أن الصيادلة وقعوا ضحايا لمندوبين ب(كارنيهات مزورة) توضح أنهم تابعون لشركات الأدوية يروجون أدوية مغشوشة مصنوعة في معامل سرية داخل منازل التجار، وأن تجارة الأدوية المغشوشة أكثر ضرراً من تجارة المخدرات، إذ إن المخدرات أقل ضرراً لأنها معروفة وضررها محسوب. التقارير تؤكد على مواجهة المشكلة بإحكام الرقابة على سبل وصول الأدوية إلى الصيدليات، واتخاذ التدابير اللازمة لضمان وصول الأدوية الطبية السليمة للصيدليات والمستشفيات والأطباء والمرضى، وكشف الأدوية المغشوشة وتجارها وتضييق الحفاظ عليهم، على أمل أن تبدأ مواجهة عالمية لهذه التجارة ووضع قانون يجرمها ويحاسب المسؤولين عنها.

«الحواس الخمس» يستعرض أهم ما تم التوصل إليه وتكشفه التقارير عن بدايات ظهور هذا الوباء وأحدث الوقائع. كانت بداية التفكير في غش الدواء وبيعه والتربح منه من نبش مخلفات المستشفيات وعيادات المرضى، إذ تبين أن غالبية المستشفيات في البلدان النامية كان يتم التخلص من مخلفاتها عن طريق المتعهد (جامع القمامة).

وكان الحل الضروري إنشاء محارق المخلفات الطبية، وبالفعل بدأت مستشفيات عديدة في البلدان العربية في ذلك وكانت مصر سباقة في هذا الميدان واستوردت وحدات حرق القمامة الطبية من الدنمارك، وصنعت وحدات أخرى على غرارها بمعرفة القوات المسلحة المصرية، لكن هذا يحدث في المستشفيات الحكومية، أما المستشفيات الخاصة وعيادات الأطباء، خاصة الجراحين تعطي الشارع كل يوم مخلفات طبية، وظاهرة نبش القمامة موجودة منذ زمن طويل.

وفي هذا تقول دراسة للدكتور محمود البتانوني أستاذ الصحة المهنية بكلية طب جامعة القاهرة إن نبش القمامة ظاهرة عامة، هناك من يعيشون منها، فهي تصل إليهم لأن المستشفى أو عيادات الأطباء تنتهي علاقتهم بهذه المخلفات بمجرد خروجها من أماكنها وجامع القمامة يتخلص منها في المقالب العمومية.

وهناك من ينبشونها بحثاً عن أي شيء يستفيدون منه، فهم يجدون الزجاجات و«سرنجات» الحقن وبقايا أدوية غير مستعملة لدرجة أن قطن الجراحة نفسه يمكن أن يستخدم في حشو لعب الأطفال، أما «سرنجات» الحقن فيتم غسلها وتغليفها وإعادة بيعها للصيدليات التي من المفروض أنها تبيع أدوية منتجة في الشركات الدوائية، كما يتم الاستفادة من المخلفات في أغراض أخرى أكثر خطورة، فمثلاً السيدات يستخدمن «سرنجات» الحقن في «لضم» الخرز المستخدم في تطريز أغطية الرأس وتزيين المفروشات وغيرها.

وكشفت وزارة البيئة المصرية في واقعة حديثة عن تسرب مخلفات طبية خاصة من أقسام الجراحة بمستشفيات جامعة القاهرة وقيام أشخاص باستخدام القطن الملوث بالدماء فى صناعة العرائس والدباديب وبيعها فى الأسواق الشعبية والعشوائية.

ويحذر الدكتور أحمد عبدالوهاب، أستاذ علم التلوث البيئي بجامعة بنها في دلتا مصر، من خطورة استخدام القطن الناتج من المخلفات الطبية للمستشفيات حيث يسبب أمراضاً خطيرة لمن يتعامل معه أو يستخدمه.

تضيف المعلومات المسجلة أيضا أن زجاجات الأدوية يتم غسلها واستخدامها في تعبئة الأدوية المغشوشة والمطابع كثيرة، ويمكن وضع اسم الدواء الجديد المغشوش على الزجاجة بسهولة.

وتقول تقارير يؤكد معلوماتها أطباء وصيادلة إن غش الأدوية كما بدأ أيضاً ببيع أدوية منتهية الصلاحية فهو مستمر، إذ إن الكثير من الصيدليات لا تقوى على التخلص من الأدوية والعقاقير منتهية الصلاحية فيها بسهولة، لأن الشركات المنتجة لا تقبلها وهم دفعوا فيها أموالاً، وحتى التخلص منها في القمامة بالطبع يعطي فرصة إمكان استخدامها.

الوجه الأحدث والأكثر خطورة للمشكلة أن صيادلة مصريين كشفوا للسلطات المختصة أنهم وقعوا ضحية تجار غش الأدوية بأن استقبلوا أشخاصاً قدموا أنفسهم على أنهم مندوبون معتمدون لشركات أدوية، وأظهروا (كارنيهات) صحيحة وعرضوا على الصيادلة أدوية مغشوشة وهم كانوا على درجة من المكر أن عرضوا عينات من أدوية ناقصة في الأسواق، وبالتالي كانت إغراء، لدرجة أن أحد الصيادلة اشترى من مندوب مزور جميع عبوات أحد الأدوية الناقصة بعدها اكتشف أنها (مضروبة) على حد قوله وأبلغ الشرطة.

وتقول التقارير أيضا إن ماكينات تصنيع العبوات الدوائية يجب ان توضع على تسويقها نفس الإجراءات المتبعة مع وحدات تصنيع النقود، فمثلا من السهل جداً تصنيع عبوات الكبسولات الصلبة ولهذا ظهرت أدوية في شرائط كبسولات لا تفيد نهائيا في العلاج واتضح أن الكبسولات إما فارغة أو محشوة بمواد ليس لها علاقة بعلاج الأمراض كالسكر والدقيق والنشاء، أما بالنسبة للأدوية المنتجة في شكل أقراص فمن السهل تحويل نفس المواد لأقراص تغلف في شرائط ويتم تسويقها.

وكان لمواد التجميل دور كبير في إغراء إنتاج أدوية مغشوشة حتى في شركات الأدوية نفسها، وقال اخصائيون في شركات تصنيع أدوية في بعض البلدان النامية ان المادة الأصلية يتم استيرادها وبدلا من تعبئتها، في عبوات تسويقها مباشرة، يتم إضافة مواد أخرى لزيادة حجمها بقصد الربح، ويستند غشاشو الأدوية في ذلك إلى أنها اذا لم تنفع فإنها لن تضر أو أن ضررها سيكون بسيطاً وعند اكتشافها سيتوقف الزبون خاصة السيدات عن استخدامها وتنتهي المشكلة، ولهذا يحذر أطباء عديدون من استخدام مستحضرات التجميل التي تباع في الشوارع ومن ذلك الشامبوهات والكريمات وطلاء الأظافر وكحل العيون وغيرها.

ظاهرة عرض الصيدليات «الدواء البديل» على المرضي كانت أيضا عاملا في ظهور تجارة الأدوية المغشوشة، إذ ان المريض أمام ألم المرض يلهث وراء أمل الشفاء، ويذهب إلى الطبيب ويعطيه الطبيب روشتة علاج وغالبا ما تكون بعض الأدوية ناقصة وغير متوفرة ويعرض عليه الصيدلي «البديل» وإما أن يكون مغشوشا والصيدلي لا يعرف، أو أنه وقع هو ضحية لمندوب شركة الدواء المزور أيضا ويشتري المريض الدواء ويستخدمه.

وهنا يطالب المرضى بضرورة أن يكون الطبيب المعالج، على علم بمدى توفر الدواء في الصيدليات من عدمه كما أنه يجب البحث في أمر وضع علامة مائية على جميع الأدوية من زجاجات وشرائط الأقراص أو الكبسولات أو «سرنجات» الحقن أو عبوات القطن الطبي.

وعن أحدث وقائع مخالفات غش الأدوية في بلداننا العربية كشفت شرطة العاصمة المصرية القاهرة حلقة جديدة من سلسلة النصب على المواطنين بمستحضرات طبية مجهولة المصدر، عبر شاشات القنوات الفضائية، قالت إعلاناتها انها مستحضرات من شأنها إعادة الشباب إلى البشرة وبها تركيبة أعشاب لإنبات الشعر وإطالته خلال أيام، وتبين من التحاليل المبدئية، انها تصيب بأمراض قاتلة، وتبين أن شركة تتخذ من شقة مفروشة فى حي البساتين يستخدمون عبوات غير مصرح بها ، مجهولة المصدر، وتروج لبضاعتها عبر القنوات الفضائية،

وتم ضبط سبعة آلاف عبوة معدة للبيع، وأفاد تحليل لعينات من المضبوطات بأنها تصيب من يستعملها بالصلع والتشوهات، وتم إخطار النيابة للتحقيق.

أما المفزع حقا أن تحقيقات كشفت أن مجهولا ليس له صلة مسبقة بالأدوية ولا صناعتها أنشأ شركة وهمية لبيع مستحضرات وأجهزة طبية دون ترخيص، عن طريق الإعلانات فى القنوات الفضائية والصحف،وألقت المباحث القبض عليه وتبين أن شقيقه هو المدير المسؤول عن المقر فى شقة بأحد احياء القاهرة.

وفي مدينة الإسكندرية المصرية أيضا أمرت السلطات القضائية بحبس رئيس قسم «الرمد» بأحد المستشفيات وآخرين معه لمسؤوليتهم عن واقعة إصابة 12 مريضاً بالعمى وانفصال الشبكية كانوا يعالجون بالمستشفى وعولجوا بأمبول «البيلوكازبين» فى قسم «الرمد» وتبين أنه مغشوش.

دبي - جمال توفيق السكري