عندما أطلق الأخوان لوميير فيلمهما الأول في العالم لم يكن يتوقعا أن يستولي الأميركيون على عرشهم السينمائي في السنوات اللاحقة. الأميركيون استولوا أيضاً على أول كاميرا سينمائية صنعها الفرنسيون ثم طوروها وأصبحت ملكاً لهم.

ثم أصبحت فرنسا البلد الأكثر استيراداً للأفلام السينمائية في أوروبا. ولكن شبان مدرسة الصورة في غوبلان بباريس غيروا المعادلة الآن باختراعهم لأهم أبطال هوليوود في أفلام الرسوم المتحركة ما يبشر بأن الفرنسيين يعودون إلى جنة السينما في هوليوود من أبوابه الواسعة ولكن على جناح أفلام الرسومات المتحركة. اخطبوطان صغيران، وقصة عشقهما في أعماق البحر يصنعان فيلماً كبيراً من أفلام الرسومات المتحركة، ولم يكن هذا الفيلم من إنتاج شركة سينمائية كبيرة بل من اخترع ستة شبان فرنسيين لا يزالون على مقاعد الدراسة في مدرسة الصورة في «غوبلان» بباريس. فقد أذهلوا هوليوود بخيال فيلم وبراعته التصويرية، حيث تم اختيار فيلمهم في قائمة أفضل الأفلام المتحركة القصيرة، ومن المتوقع أن يحوز على جائزة رفيعة في حفل توزيع جوائز الأوسكار في 22 من فبراير الحالي.

وسينافس فيلم التخرج «أوكتابودي» لهؤلاء الطلبة الشبان الفرنسيين لعام 2007 الأفلام التي تنتجها الشركة الأميركية العملاقة دريملاندز. وستكون السينما الفرنسية ممثلة أيضاً بقوة عبر فيلم الرسوم المتحركة الآخر «بيرسيبوليس»، فيما رشح جوليان سنابل عن فئة أفضل مخرج عن فيلمه «ذي دايفيينغ بيل آند ذي باترفلي» ـ جرس الغطس والفراشة ـ الذي صور بالفرنسية.

وتعتبر هاتان المشاركتان ثورة في مجال تقدم أفلام الرسوم المتحركة الفرنسية التي قد تغيّر من معادلات التوازن السينمائي في العالم، حيث تتوقع شركة دريملاندز أن فيلمهم سيحصل على الجوائز بل ان شركات إنتاج الرسومات المتحركة ستنهال عليهم بالعروض السخية لو حصل فيلمهم على جائزة أفضل فيلم قصير متحرك.

ومن المعروف جيداً ان ضعف شركات الإنتاج الفرنسية هي التي دفعت مجموعة من المخرجين إلى السفر إلى خارج فرنسا، وينتشر مبدعو أفلام «الكارتون» في عدد من البلدان بحثاً عن فرص أخرى.

المخرجون الشباب الستة الذي تبلع أعمارهم 26 عاماً بحثوا عن فرصهم خارج فرنسا، وهم منتشرون حالياً في بقاع العالم، اثنان منهم يعملان في بانغالور لدى شركة دريملاندز في الهند، وآخر في شركة سوني في لوس أنجلوس، والثلاثة الآخرون في شركات عالمية أخرى في مجال الاستعراضات الفنية.

كانتين مارمييه، أحد مخرجي فيلم «أوكتابودي» يقول: «نحن نعرف بأن الحظ سيحالفنا لأن فيلمنا حصل على استحسان لجنة الأوسكار بفضل قصته البسيطة، حيث تدور أحداثها حول ملاحقة بين اخطبوطين عاشقين، ورئيس طباخين هستيري وطائر نورس غدار على جزيرة يونانية. ولعل هذه القصة لم تجذب الصغار فقط بل حتى الكبار.

ويمتاز الفيلم بوجود المؤثرات الخاصة المليئة بالغرافيك والرؤية البصرية الجذابة الذي يصل بمكوناته الفنية إلى مستوى الفيلمين الشهيرين عالمياً «ميمو» و«عصر الثلوج».

وشأنهم شأن المخرجين الآخرين الذي تم اختيار أفلامهم للمسابقة، سيكون الشبان الستة في لوس انجلوس طوال أسبوعين قبل بدء حفل الأوسكار الذي سيقام في «شوكيس تاور» وهذه المشاركة ستتيح لهم زيارة جميع استوديوهات هوليوود الكبيرة.

أما المخرج الآخر للفيلم المذكور كينتين مارميرييه«، فيقول بأن حالتهم تختلف عن شركات الإنتاج الكبيرة لأنهم يتدبرون أمرهم بأنفسهم مثل شراء تذكرة الطائرة وحجز فندق، وتأجير بدلة السموكنغ لحفل الافتتاح ودفع تكاليف اسطوانات الـ دي. في. دي. للترويج وغيرها من المصاريف الأخرى.

وإذا كان فيلم «كانغ فو باندا» سحر الملايين في العالم، فإن الفضل في ذلك يعود إلى مبدعيّن فرنسيين يتألق نجمهما في هوليود وهما: رودولف غينودين، ونيكولا مارليت، يشغلان وظائف هامة في شركة دريملاندز.

الأول قام بتنشيط جميع مشاهد الفيلم وربطها في تسلسل سينمائي وفني. والثاني قام برسم شخصية بطل الفيلم الذي سحر أطفال العالم بخصائصه المتميزة: الحاجبان العريضان، والوجه المطلي بالماكياج الصيني والحضور الذكي والحركة الخفيفة ما جعله يسحر شركة فارايتي ويضع اسمه في لوحة الشرف في هذه المهنة.

كما حقق الفيلم الفرنسي الآخر «مسيرة البطاريق» نجاحاً تجارياً كبيراً في السوق الأميركي بإيرادات تعدت الـ 721,55 مليون دولار. وتدور أحداث الفيلم في القطب الجنوبي الذي حصل بموجبه مخرج الفيلم لوك جاكيه على تصريح للتصوير لمدة عام واحد فقط، وواجه فريق التصوير ظروفاً صعبة للغاية.

ونتيجة للحرفية العالية التي يتميز بها المخرجون الفرنسيون في مجال أفلام الرسومات المتحركة فإن شركات عالمية كبرى تعمل على توظيفهم والاستفادة من إبداعاتهم مثل شركات دريملاندز وديزني، وبكسار، وسوني وفوكس القرن العشرين. وكل هذه الشركات تنجذب لهؤلاء الفرنسيين الذين يتمتعون بروحية عالية من الذكاء والمهارة والفكاهة.

وهناك مبدعان فرنسيان آخران هما: غيوم آريتواز وايريك بيرجيرون اللذان ساهما في إخراج فيلم «شريك 1» و«شيريك 2» وكذلك ايريك بوفار وجيلبيرت دافود اللذان أنجزا فيلم «مونسترن فيس البنز». وهناك أيضاً كارلو فوجيل، الذي التحق بطاقم «توي ستوري ثري» عند والت ديزني ليكون أحد المبدعين في هذا المجال.

وأغلب هؤلاء المبدعين في مجال أفلام الرسوم المتحركة هم خريجو مدرسة الصورة في غوبلان التابعة لغرفة تجارة باريس، وهي من أفضل مدارس الرسوم المتحركة في العالم. مديرة قسم الرسوم المتحركة، ماري فرانس زيموفين، قالت «إن معظم شركات الإنتاج العالمية تبحث عن طلبتنا لأنهم يتمتعون بقدر كبير في رسم الصور المتحركة والقيام بتحريك أي حيوان وفي أي تقنية كانت سواء في الرسوم المتحركة التقليدية أم الرسوم المتحركة ذات الأبعاد الثلاثة.

وهؤلاء هاجروا إلى كاليفورنيا للعمل في نظام سينمائي يختلف كليا عن نظام الإنتاج الفرنسي أو الأوروبي الذي يتميز بضعف الإمكانيات سواء في الإنتاج أو التوزيع مما ساهم في هجرة العقول الفرنسية إلى البلدان الأخرى. ولكن تبقى اللغة المستخدمة في أفلام الرسوم المتحركة وهي الفرنسية عائقاً في انتشارها بسبب عدم انتشارها الواسع مثل اللغة الانجليزية. ومن المعوقات الأخرى التي تقف في وجهها أيضاً ضعف شبكات التوزيع المحدودة.

هؤلاء المخرجون الفرنسيون الشباب يحلمون بالسير على السجادة الحمراء أثناء حفل توزيع جوائز الأوسكار القادمة وفي حالة فوز فيلمهم، سيطلقون أفلام الرسوم المتحركة الفرنسية إلى آفاق عالمية لم تشهدها من قبل.

على أية حال ان التقدم الذي تحرزه السينما الفرنسية في العالم وخاصة في هوليوود يطرح قصة الزواج بين عاصمة السينما الأميركية ونظيرتها «كان» لأن الأخيرة أصبحت واحة السينما الأميركية التي تعاني من أزمة اقتصادية خانقة.

لم يقتصر النجاح الفرنسي على أفلام الرسوم المتحركة بل في السينما عامة، فقد أحرزه المخرج الفرنسي لويس لوتوريه «هولك العجيب» نجاحاً كبيراً طبع بصمته في تاريخ المخرجين الفرنسيين المهاجرين. وقد سبقه المخرجون ماتيو كاسوفيتز «جوتيكا» 2003 وبيتوف «المرأة القطة» 2004 وفلوران «الرهينة» 2005 والكسندر أجا «التل له عيون» 2006 ودافيج مورو «العين» .

عرض - شاكر نوري