على مدار القرن السابق، قام منسقو الزهور المحترفون بتطوير الأساليب التقليدية لعرض الزهور، وأصبح تنسيق الزهور فناً شائعاً منذ أن استخدمت زهور الحدائق الموسمية في تجميل المنازل على شكل باقات كبيرة للزهور.
فالزهور تعطي اللمسات الفنية وتضفي مسحة جمالية على كل ما حولنا، وتوحي بالراحة للنفس، وتنشر الرائحة العطرة الجاذبة التي تجعلنا نرغب باقتناء هذه الأزهار. وإذا ما دخلت الزهور المنزل، فإنها تأخذ معها جمالها ولمستها السحرية العطرة أينما ذهبت، فتنشر البهجة وتجعل من المنزل لوحة جمالية أخاذة ونموذجاً مصغراً للطبيعة الخضراء.«الحواس الخمس» التقت خبيرة تنسيق الزهور جوديث بلاكلوك مالكة أكاديمية جوديث بلاكلوك البريطانية لتنسيق الزهور أثناء زيارتها دبي أخيراً، وكانت معها جلسة حيث شيقة. «بمجرّد أن يكون الذوق رفيعاً، يمكن لأيّ شخص أن يقوم بتنسيق الزهور..» هكذا استهلت جوديث بلاكلوك كلامها، لتضيف قائلة: «إنّ فنّ الزهور فُّْ نٌُْفٌ يفرض نوعاً من الثقافة والذوق، فتنسيق الزهور فن يستطيع أي إنسان أن يجيده، وربما تبدين اهتماما بتنسيق الزهور في أول الأمر وأنت طفلة، حين تستخدمين آنية من المطبخ مثل مرطبان المربى الفارغ، ليضم باقة من الزهور البرية، على أن تكون هذه الزهور خليطا رقيقا من الألوان.
وسوف تبقى الزهور البرية وغيرها مدة طويلة في الماء، إذا عوملت بطريقة صحيحة حين قطفها وكذلك عندما توضع في الإناء. وتنسيق الزهور بغض النظر عن متى وأين يتم، سوف يكافئ القائم به بالمتعة لزمن طويل، وكل ما يحتاج إليه المبتدئ في تنسيق الزهور، لا يتجاوز آنية مناسبة وعدداً قليلاً من الأدوات والأواني البسيطة».
وتوضح جوديث بأنّ الإكسسوارات من حيث نوعها وطابعها، يجب أن تتماشى مع نوع الزهرة، فمثلاً الريش غير مسموح مع الورد، والخرز غير مسموح مع زهور الأوركيد. مشيرة إلى أنّ الوعاء على علاقة وثيقة أيضاً بنوع الزهور، إذ لا يمكن مثلاً وضع الورد أو الزنبق بكلاسيكية شكله ورقي خطوطه في وعاء نحاسيّ، كما لا يمكن وضع زهور برّية في وعاء من الكريستال.
وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض الأوعية الثمينة، مثل الـ ٌفٌيِّّم الذي هو نوع من الكريستال يعتبر تحفة فنيّة قائمة بذاتها، لذا يجب أن يتمّ عرضها فارغة من دون زهور، إذ أنّ الوعاء العاديّ يصبح أثمن مع الزهور، أمّا الوعاء الثمين فتخفّ قيمته بوضع الزهور فيه.
وتقول بلاكلوك: «إنّ التنسيقة الجميلة هي التي نشعر أنّها سوف تطير، عندما ننظر إليها، فكثرة الزهور ووضعها جنباً إلى جنب في شكل مزدحم، تشوّه مظهر التنسيقة وتجعلها ثقيلة».
وعن كيفية اختيار الزهور المناسبة، توضح بلالوك قائلة: «إن نوع الزهرة لا علاقة له بطابع المنزل وألوان ديكوره، فكلّ الزهور جميلة مع أيّ ديكور، لكن عند تنسيق باقة ما، يجب مراعاة أن يكون الفاتح مرّتين أكثر من الغامق، كما يجب اختيار ألوان متقاربة لنتيجة جميلة، كمزج البنفسجي والليلكي والزهري».
وتضيف قائلة: «في مدخل المنزل، يُنصح باستعمال الألوان التي تقول أهلاً وسهلاً، أي الألوان الدافئة وهي الأحمر، البرتقالي والأصفر، أمّا خلفية المزهرية فيجب أن تكون محايدة، فليس جميلاً وضع مزهريّة أمام ستارة مزخرفة، أو أمام لوحة، أو أمام واجهة زجاجية لأنّ الضوء المعكوس لن يساعد في تجميل شكلها.
والباقة التي تُرى من كلّ الجهات، يتمّ وضعها في وسط الطاولة، أمّا تلك المشغولة من جهة واحدة فتوضع على الجانب، والمهم ألا يظهر فراغ على أطرافها».
وتعتبر جوديث بلاكلوك أنّ بعض القواعد التي يجب على السيّدة الإلمام بها، من شأنها أن تعطيها صورة المثقفة والمتمتعة بذوق رفيع.. مثلاً، في الشتاء تُستخدم الألوان الغامقة، في الخريف تستخدم ألوان الفصل أيّ البرتقالي والأصفر. في الصيف تستخدم الألوان الفرحة، أما في الربيع فالخيار واسع ويمكن اختيار الكثير منها.
وليست هناك وصفات لكي تعيش الزهرة أكثر، المهم أن يقص جذر الزهرة بشكل مائل كلّ يوم تقريباً، وأن يتمّ تغيير الماء يوميّاً، والورد مسموح في كلّ مكان في المنزل، شرط معرفة ما يتناسق مع جوّ كلّ غرفة.
ومن جانب آخر، ليس محل الزهور الخيار الوحيد المتوافر للمرأة، فبعض الأزهار الموجودة في البريّة وعلى جوانب الطرقات تكون جميلة، وهناك زهور أشجار فائقة الجمال، لكن المهم معرفة تلك التي تعيش في الماء، فعادة الأغصان المزهرة تذبل سريعاً، لذا يمكن استعمالها في المناسبات فقط. وأكثر الأزهار البريّة جمالاً وأطولها عمراً شقائق النعمان، وبخور مريم، والأقحوان.
وفى السياق ذاته، اكتشف باحثون ألمان أن رائحة الورود تساعد على تنشيط الذاكرة، وخصوصاً أثناء النوم، وأظهرت الدراسة أن الذاكرة تقوى بالفعل أثناء النوم، تحت تأثير روائح الورود والزهور. وراقب الباحثون فترة الأحلام فوجدوا أن الجزء المرتبط بتعلم أشياء جديدة في المخ، جرى تنشيطه حين بثت الرائحة فوق المتطوعين أثناء مرحلة النوم البطيء.
وبالحديث عن الأعراس وتزيين القاعات بالزهور، وباقة الورد المخصصة للعروس، تؤكد جوديث بلاكلوك أن الزهور عنصر أساسي لا تكتمل المناسبات والاحتفالات من غير وجودها، لما تضفيه هذا النباتات الرقيقة من أجواء مفعمة بالمشاعر الطبية والأمنيات الخالصة. وفي المقابل تزدهر باقة الورد مجدداً في يديّ العروس في العام 2009.
وتترافق مع عودة الفستان الأبيض والطرحة الطويلة والتاج وظهور إكسسوارات جديدة، فباقة الورد تشبّه العروس بالأزهار، وتمنح الفتاة إحساساً رومانسيا فريداً، خصوصاً أن بعض الأنواع تتميز بدلالات معروفة لدى خبراء تنسيق الزهور، مثلاً تعني الزهور الحمر الحب، والتوليب الأحمر بمثابة إعلان الحب، ويرمز القرنفل الأحمر إلى المحبة الكبيرة التي يكنها شخص لآخر، أما زهرة الكاميليا الحمراء، فتعني تحقيق أمنية ما، وهي بالطبع أمنية الزواج لدى العروس، بينما يعني الزنبق الأبيض النقاء والصفاء، ويدلّ الياسمين على اللطف والرومانسية. لذا يغلب الأحمر والأبيض على باقة الورد في يد العروس، ويفضل أن تكون بسيطة وغير متكلفة وصغيرة الحجم، ليسهل على العروس الإمساك بها».
وتختم خبيرة تنسيق الزهور البريطانية جوديث بلاكلوك: «أحدد ألوان زهور الباقة مع العروس، بحيث يتناسب شكلها مع تصميم الفستان ولونه، ذلك أن فساتين الزفاف قد تظهر فيها ألوان جديدة مثلما حدث في مواسم سابقة، على غرار الذهبي والزهري، أو الأبيض مع الزهري أو الأحمر وغيرها من الألوان، من ناحية أخرى، يجب أن تتماشى ألوان الباقة مع ربطة عنق العريس والمنديل الذي يضعه في جيبه».
دبي ـ رشا عبد المنعم

