أثار المسلسل التركي «وادي الذئاب» الذي تعرضه حالياً قناة أبوظبي الأولى ردود فعل متباينة، حول طبيعة العمل كونه يختلف كليا عن جميع الأعمال التركية الأخرى، التي عُرضت سابقا على بعض الفضائيات، سواء من حيث الأفكار التي يطرحها، أو المستوى الفني والدرامي الذي عالج به تلك الأفكار.
وإذا كانت أغلب الأعمال التركية المُدبلجة، التي تابعها الجمهور العربي بشغف تسوّق لقصص حب أو حكايا رومانسية، تكاد تخلو من أي مضمون، حسب رأي بعض النقاد، فإن «وادي الذئاب»، الذي يصنفه البعض بأنه أفضل عمل درامي تركي، يقدم تحليلاً عميقاً لواقع منطقة الشرق الأوسط، ويفضح دور المافيا التركية المدعومة خارجياً في الصراعات التي تشهدها هذه المنطقة. وواجه العمل الذي كتبه ثلاثة من أهم كتاب تركيا المعاصرين هم راجي شاش ماف، بهادر أوزدنير، محمد ترغود وتحول لاحقاً إلى فيلم سينمائي، معارضة كبيرة من قبل بعض الدول وخاصة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، كون العمل يفضح دورهما في تمويل صفقات الأسلحة التي تتم في المنطقة بدءا بأفغانستان ومروراً بإيران والعراق وانتهاء بأوروبا، عبر المافيا التركية التي تتلقى دعمها المباشر من هاتين الدولتين.
ويقول عبد القادر عبدللي الذي قام بترجمة العمل وإعداده: «إن «وادي الذئاب» يمثل الموجة الجديدة في الدراما التركية التي بدأت مع بداية الاحتلال الأميركي للعراق حيث بدأ الجمهور التركي يستشعر الخطر المقبل، وهذا أفرز عدداً كبيراً من الروايات السياسية حول هذا الموضوع، رافقها بعض الأعمال الدرامية، فكان «وادي الذئاب» الذي خرج للنور في العام 2003 أول عمل تناول ذلك التغلغل الأميركي الإسرائيلي في المنطقة، ونتيجة نجاحه الكبير تحول إلى فيلم عام 2006».
ويؤكد عبدللي أن الموضوع الرئيسي للفيلم هو «المجلس الأعلى للمافيا» الذي يُدعى «وادي الذئاب» ويرأسه بارون، مشيراً إلى أن هذا المجلس هو الذي يُدير تجارة الأسلحة والمخدرات في المنطقة (من أفغانستان إلى أوروبا) برعاية أميركية إسرائيلية. ويضيف قائلاً: «ثمة جهة أمنية سرية تريد التغلغل في هذا المجلس من أجل إسقاطه، فتختار شخصا (علي كندان) وتخترع له قصة موت مُفاجيء بحادث سيارة، ومن ثم تجرى له عملية تجميل ويبدأ بالتوغل في عالم المافيا عبر الحلقة الدنيا صعودا إلى القمة».
ويقول عبدللي إن «وادي الذئاب» يجمع بين النخبوي والجماهيري، و«قد أحدث ضجة كبيرة عالميا بعد عرضه في تركيا، حيث قدمت أميركا احتجاجا رسميا على عرضه عبر رسالة وجهها الرئيس جورج بوش إلى الرئيس التركي آنذاك أحمد نجدت سيزار، وكذلك فعلت إسرائيل».
من جهته، يؤكد مأمون الرفاعي الذي يؤدي في العمل شخصية الضابط «أصلان» أن العمل يوضّح علاقة الأتراك بما يدور من حولهم، وخاصة القضيتين العراقية والفلسطينية، مشيراً إلى أن الموقف الأخير لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في مدينة دافوس السويسرية يؤكد ذلك.
ويضيف قائلاً: «العمل يتحدث عن المافيا المنتشرة في تركيا التي تحاول تهريب السلاح لأكراد شمال العراق، كما يفضح علاقة الطالباني والبرزاني بأميركا وإسرائيل، وكيفية تسليح حزب العمال الكردستاني من قبل إسرائيل».
وحول دوره يقول: «ألعب دور رجل المخابرات (أصلان) الذي يعمل بشكل مستقل عن أجهزة المخابرات في الدولة، ويسعى لكشف شبكة المافيا وتصفية زعمائها (7 أشخاص)، ولذلك يقوم بتدريب شخص سيصبح لاحقاً أحد الزعماء الرئيسيين في المافيا التركية، بعد قيام المافيا بتصفية أحد زعمائها باعتباره خائنا».
ويؤكد الرفاعي أن أهمية الشخصية تأتي من كونها تعمل بإخلاص من أجل الوطن «ورغم أنها تقتل بعض الناس، ولكن ذلك يكون في سبيل الوطن الذي هو أكبر منّا جميعاً، وإذا فقدناه سنفقد كل شيء (إنسانيتنا وكرامتنا)».
ويرى منصور الديب (ناقد فني) أن النجاح الكبير الذي حققه مسلسل «وادي الذئاب» على صعيد المشاهدة، وخاصة بين الشباب يعود لكونه «يتحدث بشكل ميلودرامي عن عالم المافيا، ويحوي جرعة من العنف لا نراها عادة في مسلسلاتنا، ونستطيع أن نلمس الجاذبية الكبيرة لممثليه الأشرار والطيبين لدى عدد كبير من الشباب».
ويضيف: «لا شك أن هذا العمل يختلف كلياً عن كافة المسلسلات التركية التي عُرضت سابقاً على الشاشات العربية، والتي كانت قصة الحب هي القاطرة التي تشدّ العمل، بينما نجد أن صراع العصابات فيما بينها، هو الذي يشد الناس في هذا العمل وهي طريقة استقطبت المشاهدين الشباب، وهذا بدوره أعطى قناة أبوظبي الأولى شعبية وجاذبية أكثر من قبل».
ويؤكد أمجد (صاحب مقهى) أنه لا يتابع عادة المسلسلات التركية التي يصفها بالسطحية، مشيرا إلى أنه اضطر أخيراً لمتابعة «وادي الذئاب» بعد الإلحاح المتكرر من زبائنه على متابعته. ويضيف: «في البداية تساءلت كثيرا ما الذي يدفع هؤلاء الشباب إلى التسمّر أمام شاشة التلفزيون طيلة فترة عرض المسلسل.. ولكنني وجدت نفسي أنزلق إلى متاهة المشاهدة، واكتشفت حقيقة أهمية هذا العمل الذي يختلف كثيراً عن الأعمال التركية الأخرى كونه يُصوّر واقعنا العربي».
من جانبه، يقول أسامة مهنا (أكاديمي): «إن أهمية المسلسل تأتي من واقعيته، فهو يُصوّر أحداث هذا العصر بعيداً عن المسلسلات التركية السابقة التي تدور حول فتاة يتصارع عليها شابّان، مع تطرقها لبعض الأفكار الهامة، في حين أن هذا العمل يصور أحداثا مهمة جدا تمسّنا بشكل مباشر، مع وجود بعض القصص العاطفية التي تأتي على نحو ثانوي».
ويدعو مهنا الدراما السورية والعربية للاستفادة من هذه الأعمال، من خلال تبادل الخبرات الفنية بين تركيا والعالم العربي، «ما يساهم في رفع سوية الأعمال العربية من الناحية الفنية لأنها تطرح بالأساس أفكارا تهم الشارع العربي». وتقول لميس (طالبة) إنها لا تهتم كثيراً بمتابعة «وادي الذئاب» لسبب بسيط هو أنه «يحوي جرعة كبيرة من العنف، ولا يختلف كثيراً عن أعمال العنف الأميركية التي أكرهها كثيراً».
وتضيف قائلة: «أحببت كثيراً الأعمال التركية الرومانسية مثل «سنوات الضياع» و«نور»، وأعجبت ببعض الشخصيات مثل «مهند» و«نور» و«لميس»،. من جانبها تؤكد فاديا (طالبة) أنها لم تسمع مطلقاً بمسلسل تركي اسمه «وادي الذئاب»، وتقول: «هل ثمة شيء مشترك بينه وبين «غزلان في غابة الذئاب»، حقيقة أنا لم أسمع بهذا الاسم».
دمشق - حسن سلمان

