خلال تجوالي في الجناح اللبناني في القرية العالمية بدبي تذكرت أبياتا رائعة قرأتها يوما من جيل الزمن الجميل وتعد مثل شعار الأرز في لبنان أصيلة بأصالته وعنفوانه: «جبينك شامخ ما بينطال، وعزك دايم هو منصان، بتبقى عالي بتبقى عالي، بتبقى عالي يا لبنان، قصة عز بيحكي الأرز ... و أنت بالزمان صامد يا لبنان».
بمدخل الجناح استوقفني الشاب اللبناني «ميسم زهر الدين - 19 عاما» الذي يشكل بموهبته الإبداعية المرتكزة إلى مستوى ثقافي معين اكتسبها منذ طفولته.. ظاهرة بارزة في النحت والكتابة بشتى اللغات على خشب شجر الأرز و على الجلد و الإكسسوارات، فجاءت أعماله شهادة على مقدرته وإيمانه الراسخ، بأن الإنسان هو قمة العالم.. حاورنا «ابن الأرز» حول موهبته.. وكانت هذه المحطة الإبداعية يقول ميسم زهر الدين: كنت أتساءل دائماً لماذا اختاروا الأرز شعاراً يخلّد علم لبنان، فأتى الجواب بعد زيارة لأرز لبنان في منطقة بشري في الشمال، فتشعر انك بحضرة قمم من تراث لا ينضب، فالهيبة في المكان لا يشعر بها إلا من عشق لبنان.
هذه الرحلة هي مجانية بامتياز، فلا رسم دخول، بل دعوة إلى رحلة كل ما فيها جميل ورائع.. الهواء العليل الذي يلامس كل جزء من هيكلك النفسي والجسدي يجعلك تشعر انك مازلت صبياً ولدت اليوم بين إدراج هيكل الأرز، روحاً تنبض بكل قوة لكل ما هو خالد..
واصلت رحلتي صعودا نحو الارز، شعرت أنني ألامس السماء عندما أنظر إلى أعلاها، هناك منحوتة قام بها فنان لبناني مبدع حيث نحت على ثلاث أرزات تماثيل تمجد الخالق في جمالها وروعتها.. أعجبتني المنحوتات وقررت التجربة لعلي أسجل اسما لامعا في عالم النحت على خشب شجر الأرز.
يُبهج الشاب اللبناني ميسم زهر الدين زبائنه بما ينحت لهم من منحوتات يهدونها لمن يحبونه، كما يكتب بخطه الجميل ما يُطلب منه سواء من أسماء أو أحرف وعبارات وذلك على الخشب، والإكسسوار، والجلد.. وحينما سألته من أين تستلهم خطوطك أوضح قائلا: يبعث فن الخط العربي أكثر من رسالة. فهناك رسالة المحتوى التي تعتمد على النص المكتوب وهناك رسالة الشكل التي تعتمد على جمالية التشكيل.
ويشير ميسم إلى نقطة مهمة هي أن المشاهد الغربي يتلقى فن الخط العربي بافتتان اكبر وحماس أشد من المشاهد العربي. انه السحر اللامتناهي بالنسبة لديه، وهو النافذة المطلة على فهم الثقافة العربية والإسلامية والتعايش معها. وغالبا ما تكون معارض الخط في هذا المجال أكثر نجاحا من معارض الرسم والنحت لأن فيها من الخصوصية الثقافية ما يصرخ بالاختلاف والتعددية الحضارية. فلقد كانت معارض الخط ولاتزال في الخارج تمثل تظاهرات ثقافية كبيرة وتعمل كملتقى للمفكرين والمهتمين بتراث الشعوب الأخرى وثقافاتها وفنونها.
ويؤكد أيضا أن الخط أياً كانت هويته وشكله يعتمد على إحساس خطاطه، فالخطوط التي تكتب وترسم بإحساس بشري لها تأثير أكبر وأعمق من تلك الالكترونية الجاهزة ولذلك من الصعب أن ينقرض أو يختفي الخط العربي وأدواته مهما تطور العصر.
ويضيف: الكمبيوتر جهاز عجيب واختراع عملاق بحيث يحتاج إليه كل إنسان مثقف فهو في الحقيقة معجزة القرن العشرين فالكمبيوتر آلة صماء كالمرآة يعكس ما يوضع فيه، ولكن لا نستطيع أن نقول إن الكمبيوتر حلَّ محل الخطاط، لأن الخطاط هو المبدع، كما أن الكمبيوتر يعتمد على تركيب الأحرف، وتركيب الأحرف يعتمد على الخط الأفقي.. وهذه تقلل من جمال الخط.
وأخيرا يؤكد ميسم أن موهبته هذه هبة من الله سبحانه وتعالى يمنحها لمن يشاء من خلقه. وبشكل عام فإن أي موهبة أو هواية تحتاج إلى من يرعاها ويحافظ عليها، حتى تجني للإنسان والمجتمع الذي يعيش فيه الخير.
ويضيف: إنه يمكن تحويل أي هواية إلى فكرة مشروع تجاري، وهذا يتطلب تحديد الأهداف بدقة ثم العزم كل العزم على المحاولة لإنجاحه. والخوف من الفشل هو الذي يجعل الناس يحجمون عن الإقدام.
دبي - جميلة إسماعيل

