يلتقط هذا الرجل لحظات حاسمة في حياة بعض الرموز الفاعلة في المجتمع، لحظات لا شك أنها مصيرية وحاسمة في حياة كل منهم، وتتمثل في تقليدهم وشاحا أو وساما أو نيشانا أو قلادة ما، كل وفق تخصصه أو درجته أو مكانته.. علمية كانت أو عسكرية أو رياضية أو فنية.. فكثيرا ما نشاهد عالما أو قائدا أو نجما يتقلد نيشانا..
وتعتبر هذه النياشين إشعار تقدير من المجتمع لهؤلاء، لذلك فإن اقتناء هذا النيشان يعد أمرا في غاية الصعوبة والإثارة.. لذلك كان هذا هو التحدي الأكبر أمام هاوي النياشين المصري طارق أحمد الذي خصص القسم الأكبر من حياته لمتابعة الهواية، ومع كل نيشان أو قلادة حكاية.. وهذا ما نتعرف إليه في لقائنا معه. الجميع يؤكد أن القلائد والأوشحة أوالنياشين، تتباين في الشكل والمناسبة والجهة المانحة، لكن جميعها تتفق على العزة والكرامة وذات مكانة مؤثرة في حياة حامليها، وتعتبر تلخيصا لإنجازاتهم. لذلك كان حرص «طارق» على جمع هذه النياشين والإلمام بتفاصيل كل نيشان أو ميدالية أو قلادة منها.
عن ذلك يقول: إن الأوسمة والنياشين ليست بدعة عصرية، إنما هي تقليد معروف منذ آلاف السنين، تم الكشف عنه في الاكتشافات الأثرية الكثيرة والمتوالية بمرور الأيام، حيث كان المصريون القدماء أول من استخدم الأوسمة والقلائد لتكريم محاربيهم وعلمائهم، وبينت العديد من الرسوم والحفريات الفرعونية قيام الفرعون بمنح عطايا تكريمية للمتفوقين في جميع المجالات. وأشار الى أن الحضارات الأخرى عنيت بهذا الأمر، مثل الحضارة البابلية، تلتها الحضارات الأوروبية، وكانت لتلك الأوسمة والنياشين درجات تحدد قيمتها، فمنها ما يمنح للمحاربين والشجعان وهي الدرجة الأولى، تليها نياشين خاصة للمجالات الأخرى كل حسب أهميته، ومدى عطائه في خدمة وطنه ، مؤكدا أن هذا التقليد لم يتوقف إلى يومنا هذا، بل أصبح لكل دولة نياشين وطنية في مختلف المجالات لتحفيز العطاء والإبداع في شتى المجالات.
احترف طارق هواية النياشين عن حب، ليعيش من خلالها داخل أزمنة سابقة، تعرف من خلالها على تاريخ كل وسام أو وشاح وقلادة، متى صنعت، وممن أهديت، وإلى من، والمناسبة التي أهديت فيها، موضحا أنه كلما كان النيشان أو الميدالية نادرا كلما كانت قيمته المادية فائقة، لاسيما أن هذه النياشين والأوسمة تعتبر حالة لا يمكن أن تتوفر الآن، باعتبار أن أي معدن نادر إذا اكتشف الكثير منه ينخفض ثمنه، أما القديم فلا يمكن إعادة إنتاجه بقيمته الأصلية، لذلك كانت هوايته الأولى هي جمع نياشين وقلائد وأوسمة الملوك والأمراء التي لا يقل عمرها عن 80 عاما.ووفق ما يذكره طارق فإنه أحب هذه الهواية نظرا لفضوله الشديد لعالم الأمراء والملوك.. ومعرفة ماذا كانت تمثل لهم تلك الأوسمة والنياشين؟ وكان هذا أول سؤال يشغل باله، فمعنى أن يحصل أو يهب ملك هذا النيشان أو القلادة أو الوسام فهو نوع من التكريم الشخصي سواء للملك أو الأمير أو النبيل وغيرها ما يمنح للعسكريين الذين وصلوا إلى مكانة رفيعة، أو مجالات أخرى.
وبالطبع، والكلام لطارق، كلما كانت القطعة أكثر قدما وندرة كلما ارتفع ثمنها، أي أنها تزداد في السعر مع مرور الوقت، ونظرا لأن هؤلاء يمتلكون تلك القطع فإن الدولة صاحبة هذا الأثر كانت تضطر لدفع ثمن تلك القطع من أجل إعادتها.. وكان من بين هؤلاء التجار ملوك وأمراء يمتلكون المال فاقتنوا العديد من القلائد والأوسمة والنياشين، وأنشأوا لأنفسهم متاحف داخل قصورهم هذا بجانب ما يحصلون عليه هم شخصيا.
كان من أبرز ملوك مصر شغفا بجمع الأوسمة والنياشين الملك فاروق «آخر ملوك مصر»، حيث كانت لديه قاعة تحتوي على العديد من الأوسمة والنياشين القديمة، سواء التي حصل عليها شخصيا، أو التي اشتراها من المزادات في أوروبا، وغيرها، وكان يدفع فيها الملايين من أجل اقتنائها، ولاتزال تلك القاعة موجودة إلى الآن بقصر عابدين مليئة بهذه النياشين النادرة التي لا تقدر بثمن في وقتنا الحالي، والتي واكب معظمها حكم أسرة محمد علي من العام 1805 ميلادية إلى قيام ثورة 23 يوليو 1952م.
يمتلك طارق الكثير من الأوسمة والنياشين التي يعود بعضها إلى قرون سابقة، من بينها، كما يقول، أوسمة ونياشين تخص أسرة محمد علي.. وبشكل خاص الملك فاروق، الذي كثيرا ما منح القلائد والأوسمة والنياشين للمقربين منه والمخلصين له، أيضا لديه وشاحات عديدة مسجلة باسم مجلس النواب (البرلمان حاليا)، إلى جانب أشكال مختلفة لقلادة النيل..
غير أن أهم مقتنيات طارق من الأوسمة والنياشين والقلائد هو ما يخص مجموعات لملوك وأمراء ونبلاء من العصور السابقة أبرزهم العصر الفرعوني، وكل منها يحمل طابع السنوات التي صكت فيها. وبسؤاله عن أسعار هذه القلائد والنياشين، رفض تحديد أسعار ما يحوزه منها، مؤكدا أنها بمثابة التحف التي لا تقدر بثمن.
أضاف طارق: إنه نظرا للتطور الكبير في وسائل الاتصال بجميع أنحاء العالم والوصول لأي شيء في لحظة عن طريق شبكة الإنترنت حتى أصبحت مزادا مفتوحا ومستمرا طوال ال24 ساعة ما بين البائعين والمشترين من جميع أنحاء العالم، وفي شتى المجالات والهوايات.
ويوضح طارق أن قصر عابدين الذي يضم مجموعة من المتاحف أصبح أيضا يضم قسما لمقتنيات رؤساء الجمهورية ابتداءً من أول رئيس لمصر وهو الرئيس محمد نجيب وصولاً إلى الحالي الرئيس مبارك مرورا بعبدالناصر والسادات.. وبكل قاعة مجموعات الأوسمة والنياشين التي حصل عليها أو أهديت إليه باعتبار أن تلك الأشياء قانونا ملك للدولة، لأنها أهديت لرأس الدولة الذي يمثل الأمة، لذلك فهي ملك للأمة.
هناك درجات وتقسيمات للنياشين، فمثلاً «القلادة» كانت تعطى للقادة من الملوك والرؤساء وأصحاب التيجان والأمراء وأعضاء البيت الملكي فقط، أي أن تلك القلادة لم تكن للعامة والنبلاء، وهناك ما يعرف بـ «الوشاح» ويمنح إلى الأشخاص الذين يؤدون للبلاد خدمات استثنائية من ذوي الجدارة الفائقة، وهو عبارة عن قطعة من الحرير التي تأخذ اللون الأخضر بشكل طولي (أ) وعرضه سنتيمترات بسيطة، لكنه يأخذ طولاً متوجاً بحاشيتين من الجانبين، يدخل فيه وسام النيشان..
وهذا الوشاح «وشاح النيل» أرفع درجة تكريم مصرية تمنح للأشخاص الذين قدموا إسهاما مميزا يؤثر على حياة المصريين.. وحصل عليه عدد محدود من المصريين منهم د. فتحي نجيب الرئيس الأسبق للمحكمة الدستورية العليا، عبدالعزيز حجازي رئيس الوزراء الأسبق، صوفي أبو طالب رئيس البرلمان الأسبق، أم كلثوم سيدة الغناء العربي.
أحمد زويل الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء، محمد البرادعي رئيس الهيئة الدولية للطاقة الذرية، الموسيقار الراحل محمد عبدالوهاب، فريد الأطرش، نجيب محفوظ، أما أشهر من حصل عليه من خارج مصر فكان نور سلطان رئيس جمهورية كازاخستان، وولي عهد السعودية سلطان بن عبدالعزيز.
القاهرة - (دار الإعلام العربية)



