بدأ الشيف الفرنسي بيار جانييه عمله في مدينة سان إتيان، ومنح تقدير ميشلين من مستوى ثلاث نجوم، حيث تحدى أصول الطبخ الفرنسي الكلاسيكي، بتقديمه مزيجاً فريداً من النكهات والمذاقات، بل ذهب الى الإبداع في الطهي الى أبعد الحدود بظهوره الأول فى منطقة الشرق الأوسط، حين قرر تشييد مطعمه «روفلي» الذي يطل على الواجهة البحرية في دبي فستيفال سيتي.
التقينا الشيف بيار جانييه أثناء وجوده في دبي، حيث لم يخف ولعه بالتجديد والإبداع فى مجال الطهي. ولا يقتصر المطبخ الفرنسي على تقديم الوجبات والأصناف الشهية واللذيذة، ولكنه يمتد إلى كيفية تقديم تلك الوجبات بفن وذوق، فأهم ما يميز الفرنسيين هو فن ترتيب المائدة الذي عرفوه منذ زمن بعيد، ومنها انتقل إلى جميع أنحاء العالم. وترتيب الموائد الفرنسية له طرق عديدة، الا أنها تتفق جميعها في تقديم الأطباق تباعاً، بحيث لا يوضع أكثر من صنف على المائدة إلى حين الانتهاء من سابقه. ويرى جانييه أن العديد من الأطباق الفرنسية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحضارة والتاريخ، لذا أن الكثير من الأشخاص من الأجيال القديمة يترددون في تجربة الأطباق الأجنبية، بل في غالب الأمر، تجد الأطباق الفرنسية الشهيرة لها علاقة بقصة أو حكاية تاريخية معروفة في التاريخ الفرنسي.
مثل طبق «الكوردون بلو» أو «الشريط الأزرق» والذي ظهر للمرة الأولى في القرن السادس عشر، حين قرر الملك هنري الثالث مكافأة جنوده على ولائهم بإعطائهم دروعاً خاصة تتزين بشريط أزرق. وكانت الولائم التي تصاحب مثل هذا التكريم غاية في اللذة والفخامة، حتى اتخذت مقياساً لرقي الذوق والتذوق. وقد لازمت تلك السمعة الفرنسيين حتى انهم أطلقوا هذا الاسم على معهد الكوردون بلو الذي فتح أبوابه للمهتمين بعالم الطهي منذ عام 1895 في باريس، ويعد واحداً من أعرق معاهد تعليم الطهي في فرنسا.
وارتبط الجاتوه الفرنسي بقصة الملكة ماري أنطوانيت زوجة الملك لويس الخامس عشر، حينما قالت جملتها الشهيرة قبيل الثورة الفرنسية عندما دبت الضجة في البلاد من نقص الخبز، فقالت: «فليأكلوا الجاتوه». واليوم باتت فرنسا تقدم لعشاق حلواها أشهر أنواع الجاتوهات الفرنسية مثل «الموس، الجرانتيا، الباباي، الميلفاي» وغيرها. ويؤكد بيار جانييه أنه دائما ما يعمل وهو مدفوع بغريزته للطهي، الذي يحتاج إلى أكثر من تعلم الأساسيات او المقادير او كيفية تزين الأطباق للعشاء.
ومن جانب آخر، يرى جانييه أن منحه أسماء مختلفة لمطاعمه العالمية، يعود فى الأصل الى البلد وإيحاءات المكان وطبيعة الناس التي تمتزج إلى حد بعيد مع ميولهم وأفكارهم، وبالتالي حضورهم إلى إحدى هذا المطاعم سواء فى باريس لندن.. أو دبي والتي على الرغم من تعدد جنسيات المقيمين على أرضها فطاقم مطعم «روفلي» قادر على إرضاء مذاقاتهم المختلفة.
ويرى جانييه أن سر نجاح الطبق، هو المكونات التي غالباً ما تعتمد على أربعة أو خمسة مكونات رئيسية التي تجمع ما بين الكلاسيكية والابتكار والمطبخ الحديث أو ما يعرف باسم La Nouvelle Cuisine، يكمن في كل منها مفاجأة، وعرس من النكهات الصارخة.
ويؤكد جانييه أنه إذا وجد المكون الجيد وجدت الطبخة اللذيذة، فالطاهي لا يلعب إلا جزءا محددا في المطبخ، ففي الكثير من الأحيان، لا يحتاج الطاهي الى بذل جهد كبير لإعطاء نكهة للسمك او اللحم، فإذا كانت النوعية عالية الجودة فهي لا تحتاج للكثير من الإضافات، ولكن يجب فهم التعامل معها وطهيها على نار هادئة ورشها بالقليل من البهارات الطازجة والمطيبات.
اما عن فكرة تقديم أطباق فرنسية بلمسة عربية، فهى فكرة مطروحة وممكنة جداً ولكنها قيد التحضير فالخيال والإبداع ليست لهم حدود والتجربة خير برهان. وعن الموضة في الطبخ، يقول جانييه: هي بكل تأكيد موجودة ولها تأثيراتها الواضحة، لكنه لا يسعى وراءها على الإطلاق، لأن الأكل يجب ألا يفقد هويته، فهو مع التغيير والتطوير ولكن احترام المطبخ مهم جداً، فالطهي أشبه بمعركة يومية، يعيشها كل طاه يقدس المطبخ والمهنة، فعملية ابتكار الأطباق الجديدة لا تنتهي.
كما انه يستمع دائماً إلى تعليقات الزبائن عندما يخرج إلى قاعة الطعام بعد العشاء، والصعوبة في العمل في مطعم مثل «روفلي» هو تعدد جنسيات الزبائن، وهذا ما يجعل إرضاءهم من المستحيلات، ولكن في غالب الأحيان يعبر الزبائن عن إعجابهم بلائحة الطعام المختارة وبالنكهات المبتكرة وبالأطباق، وهذا الأمر مهم جداً في مسيرة نجاح أي طاه عالمي.


