منذ إعلان مشاركة فيلم التحريك «فالس مع بشير» (المرشح حالياً لأوسكار أفضل فيلم أجنبي) في الدورة الأخيرة من «مهرجان كان»، كثر كانوا ينتظرون من فيلم المخرج الاسرائيلي آري فولمان أن يكون خلفاً ل«بيرسيبوليس» للايرانية مرجان ساترابي، المعروض في مسابقة كان عام 2007، والذي أثار حماسة الكثير من النقاد، قبل أن يجوب العالم من مهرجان الى آخر.

بيد أنه بدا في المحصلة أن «فالس مع بشير» أشد وطأة من فيلم ساترابي، ذلك أن الاعجاب الذي ناله في المهرجانات الدولية كان منقطع النظير بالنسبة لفيلم تحريك. ولعل أحد أسباب هذا التقدير هو الجرأة التي يتسلح بها في التعاطي مع شأن جديّ الى درجة كبيرة، من خلال وسيط بصري (التحريك)، ثمة الى الآن، ولسوء الحظ، من لا يأخذه على محمل الجدّ والأهمية. لحظات قليلة تكفي ل«فالس مع بشير» يحملنا الفيلم الى أحضانه ويروي لنا تجربة مرّة وقاسية تجول في فلك العبثية وعدم جدوى التقاتل والعنف، وهو ما قامت عليه خطب عشرات الافلام القيّمة والعابرة على حدّ سواء. على رغم ذلك، وجد فولمان حيزاً للابداع رمى من خلاله نظرته الثاقبة على واقع عاشه، لكنه تسلل من بين انامله كحبّات الرمل. القصة اذاً قصة آري فولمان، جندي سابق في الجيش الاسرائيلي، والذي صار مخرجاً.

لكن مهلاً: بانتقاله من معسكر الى آخر، هل تتحقق مصالحته مع الذات وتُغفَر خطاياه. هذا شأنه الخاص، علماً أن الفيلم حريص على أن يحمل بعض تساؤلات العرب عما يمكن أن تؤول اليه أحوال جندي مارس القتل في حق مدنيين، بعد انقضاء عشرين عاماً على ذلك الفعل. يفتتح الفيلم بمشهد مرعب لكلاب مسعورة تركض في الشوارع ذات ليل حالك، ليبدو في ما بعد، عبارة عن كابوس ضحيته صديق فولمان، المشارك مثله في اجتياح بيروت، حين كان الاثنان جنديين في الجيش الاسرائيلي.

الكابوس مصدره تلك الأيام التي عاشها الجنود في مناطق مختلفة من بيروت، عندما كانوا يغتالون الكلاب حين لم يكونوا يعثرون على بشر لقتلهم. لكن هذه الذكريات غادرتها ذاكرة الجنود الجماعية. وها أن فولمان ينهض من سباته العميق ليعيد تجميع كل ما أصرّت الذاكرة على محوه مع مرّ الزمن.

بصور جميلة ومختلفة وقاسية الملامح (ادارة فنيّة لديفيد بولونسكي)، يتغلغل الفيلم في ذاكرة فولمان المنكوبة ليرينا ما حصل في داخله إثر اكتشافه أن جانباً كبيراً من حياته سقط في النسيان.

«فالس مع بشير».. إعادة خلق لهذه الحوادث التي سبقت مجازر صبرا وشاتيلا، من دون تبريرات لأفعال شنيعة، ولا ادعاءات، ولا تمجيد للجنود الاسرائيليين المدججين بأفكار عنصرية ودينية وأيديولوجية. لكن السينما تتعامل دوماً مع المختلف والطارئ، لا مع القاعدة، ما يبرر وجود مثل هذا الفيلم.

يستخدم فولمان التحريك استخداماً مميزاً، سواء لحجب هوية الجنود الذين يدلون بشهاداتهم، أو لإطلاق العنان لمخيلته خدمة لمَشاهد لا يمكن أن تحقق مجدها وتتحقق إلاّ تحت راية التحريك وابتكاراته وقدرته على إعادة إحياء ما لا يعاد إحياؤه عادةً بطرق كلاسيكية. في مستواه الاول، يترفع الفيلم عن السياسة، لكن لفولمان وجهة نظر لا يخفيها في مقابلة أجرتها معه صحيفة فرنسية: مجزرة مثل صبرا وشاتيلا أسوأ ما قد يحصل لناس. لكن حزب الكتائب هو المسؤول عنها. الجنود الاسرائيليون لم يعطوا أي أوامر بقتل سكان ذلك المخيم (...). لا يخفى على أحد أن الاجتياح الاسرائيلي للبنان في أيلول (سبتمبر) 1982 لم يجد نفعاً.

انه لبقعة سوداء في صفحات تاريخنا. أراهن ان شارون الذي هو حالياً في الكوما، كان أقدم على فعل المستحيل لإعادة كتابة التاريخ من جديد وتجنّب هذه المغامرة التي كان هو من أطلقها.

وأدان فولمان الحرب ونعتها بالعبثية، وهذا ليس مستغرباً من رجل سبق أن وقّع عريضة تضامن مع الشعب اللبناني أثناء حرب تموز (يوليو) 2006، واصفاً ذلك العدوان بأنه غير مبرر وغير أخلاقي. «كان لي شعور بأني سبق أن رأيت هذا كله: المدن، القرى، كانت نفسها التي رأيتها خلال مشاركتي في الاجتياح. كنت منهاراً لأننا لم نتعلم شيئاً من أخطاء الماضي»، قال ل«دفاتر السينما» (عدد 635، حزيران (يونيو)2008).

كان فولمان شاباً تافهاً عندما انضم الى الجيش الاسرائيلي. الحرب علّمته أن يكرهها. اليوم، يتكلّم عنها كتجربة تسببت له بالكثير من الإحباطات والعذابات النفسية التي ستظل ترافقه مدى العمر. بالفم الملآن يقول إن الاجتياح كان غير أخلاقي، ولم يكن ناجماً عن محاولة الدفاع عن النفس. هذه التجربة كلها وجدت تتويجاً بهياً في فيلم سيظل بعيداً من الشاشات الرسمية العربية، ولم يرحَّب به في بلاده.

أربع سنوات أمضاها فولمان في إنجاز «فالس مع بشير» الذي استفزّ في داخله مشاعر بسيكولوجية غير مظنونة، وعلى رغم أنه أراد إنجاز هذا الفيلم كي يمنع أولاده، بحسب ما يقول، من أن يشاركوا في أيٍّ من الحروب المقبلة، لأيِّ سبب من الأسباب، الاّ أنه وجه ضربة قاسية إلى من كان حتى الأمس القريب لا يريد أن يتذكر ما أرتكب من فظاعات، فجاء الفيلم تأكيداً اضافياً أن الذاكرة قد تنام لفترة لكنها لا تنام الى الأبد، وقد يجوز أن تنسى التاريخ لكن التاريخ لن ينساك.

وهذه الفكرة لاقت طريقها الى الفيلم عبر التخلي التدريجي في نهايته عن التحريك وإنهاء هذه الرحلة إلى أقاصي جحيم الموت والخراب، بصورة حقيقية لجثث وأشلاء، ليست من دون أن تذكرنا بغزة والفلوجة، ومن ثم لامرأة يصدح صوتها عالياً: «أين العرب؟». وقد يكون هذا صوت فولمان أيضاً!

بيروت - هوفيك حبشيان