نشتاق كثيرا للحنان والحب، ولمن يخفف عنا حدة الأيام وطول المسافات، وكأننا قطارات تسير على قضبان، نلهث ونتصارع ونتوجع، دون أن نتوقف على محطات للراحة والتقاط الأنفاس، ودون أن تلتقي الخطوط. هي حالة اشتياق نمر بها جميعا وننتظر ما قد تلقي به الأقدار في طريقنا وتجعلنا نتلاقى.
في لغتنا الدارجة نسمي هذا « القسمة والنصيب» ونسميه أيضا «الصدفة» التفافا على مرارة الواقع، وهي فعل غير مستحب في الفن، لأن بعض الذين يتعاملون معها يجردونها تماما من أي منطق يستسيغه العقل، فتتحول بين أيديهم إلى ميلودراما زاعقة مثلما تفعل أغلب الأفلام الهندية التجارية.ولكن الصدفة في مدينة مومباي، ليست كذلك والتناول الفني الذكي والواعي هو الذي يضعها في مكانها الصحيح، وبنعومة بالغة لتبدو جزءا أساسيا من نسيج الحياة لأنها بالفعل كذلك.وأوضح مثال على هذا .. الفيلم الرائع «المليونير المتشرد» الذي يعرض حاليا في صالات السينما المحلية، والذي قدمه المخرج الانجليزي داني بويل، محققا نجاحا غير متوقع مع المتفرج العالمي وتحديدا غير الهندي، لاسيما وهو يجسد حياة العامة في مومباى ومدته ساعتان.
وهو إنتاج أميركي بريطاني تم تصويره في الهند بتكلفة 15 مليون دولار، ونحو 20 % من الجمل الحوارية لمشاهده باللغة الهندية، وهو مأخوذ عن رواية للكاتب الهندي «فيغاس سوارب» باسم «س و ج»، وقد حصل هذا الفيلم على عشرة ترشيحات لجوائز الأوسكار، و11 ترشيحا لجوائز «بافتا» (الأكاديمية البريطانية لعلوم وفنون السينما)، إلى جانب اقتناصه أربع من جوائز الغولدن غلوب الشهر الماضي.تدور أحداث « المليونير المتشرد» حول شخصية الشاب جمال، وهو شاب يتيم قتلت أمه في أحد النزاعات الطائفية في الهند . القادم من أحياء مومباي الفقيرة، يجد نفسه على أبواب الوصول إلى المليون في البرنامج الشهير « من سيربح المليون».
والفيلم يتوقف عند هذه اللحظة التي تثير الشفقة وسخرية القدر، وهي تزج بشاب لا يعرف القراءة ولا يميز المئة دولار، ولا يعرف اسم الزعيم الهندي الشهير الذي وضعت صورته على المئة روبية الهندية.
ولكن هكذا كان القدر يلعب لعبته مع هذا الشاب، الذي وصل إلى السؤال الأخير في هذا البرنامج. كل هذا يدفع بمقدم البرنامج بالوشاية أن هذا الشاب لا بد وانه يلجأ للغش، فيتم اعتقاله بعد نهاية الحلقة وقبل انطلاق السؤال الأخير، ليكشف لنا السيناريو الذي كتب بحرفية عالية، ونجح المخرج عبر إيقاع سريع ينطلق مع محاولات استخراج الجواب: ما هي الوسيلة التي تغش من خلالها.
وفي أي المناطق من جلدك أخفيت الأجوبة هكذا يجد المحقق نفسه مع هذا الشاب الفقير، في سرد سينمائي يوجز مدى المعاناة التي مر بها الشاب جمال منذ طفولته المسروقة، وسط ظروف حياتية قاسية، حيث بيوت الصفيح والفقر، والتشرد، والعصابات العنيفة والقاسية والتي تستغل الأطفال بشكل قاس من أجل تحقيق مآربها، بتحويلهم إلى أسواق الدعارة، وممارسة السرقة وكل أشكال الفوضى في مدينة نموذجية لكل هذا.
وبأسلوب وثائقي في كشف أعماق مدينة مومباي التي تزدحم بكل أشكال التناقضات، يأخذنا الفيلم في رحلة «فلاش باك» غاية في الإمتاع لنكتشف أن مجموعة من الخبرات الحياتية تراكمت وشكلت معاناته ، فلكل سؤال وقفة في مسيرته وقصص عايشها وشخصيات أثرت في مشواره ومواقف شكلت وجدانه.
يطرح الفيلم رسالته في طابع كوميدي رومانسي وفي جو مفعم بالحركة والحيوية مع أطفال الشوارع ومناظر خارجية من الهند لا تحس معها لحظة بأي طابع سياحي أو فلكلوري كما عودتنا السينما الهندية أو الأفلام التي تقدم هناك، يتحدث عن الأمل والطموح، ويطرح العديد من التساؤلات حول نظرة الناس للفقير والمتشرد، وعن كيف يمكن للحياة أن تكون مدرسة حقيقية.
وسط هذه الأجواء نتعرف على حياة جمال وأخيه سالم وطفلة أخرى يتيمة تدعى لاتيكا، وعلى سخرية القدر الذي وضعته المصادفات لمعرفة أجوبة صعبة جدا على شاب أميَّ لا يعرف القراءة، ليجيب بكل ثقة على أسئلة برنامج من سيربح المليون. وهكذا يجد جمال الذي يشتغل كخادم في شركة اتصالات وبعد أن فقد حبيبته التي تقاطعت الحياة معها ووجدت نفسها تخدم في بيوت رجال العصابات، ومتابعتها الدائمة لمشاهدة هذا البرنامج تدفع بجمال في ضربة حظ بالظهور في هذا البرنامج على الهواء مباشرة، لكي تعرف مكانه بعد أن خانتهم الظروف باللقاء، لا لكي يحصل على المليون الذي وجد طريقه لهذا الشاب، وإنما ليجتمع شمل الحبيبين في نهاية جماهيرية طالما أرضت شباك التذاكر.
كتب السيناريو للفيلم «سايمون بيفوى» ولعب بطولته «ديف باتيل» في دور «جمال» و«مادهور ميتال» في دور «سالم» و«فريدا بينتو» في دور لاتيكا و « عرفان خان » في دور محقق الشرطة، والمخضرم «أنيل كابور» في دور مقدم برنامج «من سيربح المليون».
المونتاج أيضا كان من إبداعات الفيلم ، فاستطاع التنقل بين زمن وزمن وبين فلاش باك وآخر، وبين مشهد ومشهد بإبداع شديد، مزج الصورة بالموسيقى المدهشة، التي أهلته لدخول قائمة أفضل 250 فيلما في تاريخ السينما العالمية.
دبي ـ أسامة عسل


