لم أتوقع قط أن تكون سنغافورة بذلك الجمال الأخاذ.. فهي في كل الأحوال بساط أخضر يحيط به البحر من كل مكان حتى تراها منبسطة وسط تلك اللجة اللازوردية إنطباع أولي ينتاب القادم عندما تحط به الطائرة في مطارها الفاخر والفسيح الذي يمتلئ بالأسواق والمطاعم والمقاهي العالمية.
ويستقبلك المسؤولون في المطار بود مع توقف بسيط أمام شباك الجوازات ويبادرك الجميع منذ وصولك المطار بعبارة جميلة وهي: «أهلا بك في بلدنا» وترتسم على الوجوه ابتسامة عريضة فيها الكثير من الحميمية وحسن الاستقبال ولعله أسلوب منهجي يبدأ فعلا من داخل طائرة الخطوط السنغافورية.كان الوقت صباحاً.. استأجرت سيارة أجرة أقلتني إلى الفندق الذي يطل على خليج مليء بالسفن وقيل لي أن هناك أكثر من 600 سفينة ترسو في مناطق مختلفة من ساحل سنغافورة ومعظمها يأتي لتفريغ شحنات أو نقل شحنات لبضائع. وفي الفندق كان المشهد ملفتاً وتمثل في كثافة السياح الذين جاؤوا من أصقاع مختلفة من أوروبا، فيما يلفت السياح الألمان النظر بكثافة حضورهم يليهم البريطانيون.
ويستقطب طقس سنغافورة الطيب المعتدل صيفاً وشتاءً مختلف السياح الهاربين إما من البرد أو الحرارة في بلدانهم. ويجد السياح هنا الكثير من المميزات أهمها الأمن وخلو البلاد تقريباً من الجريمة، فضلاً عن تحلي أهالي البلاد بدماثة الخلق، وهم لايكذبون أو يخادعون الغرباء ويستقبلون على الأغلب الناس بابتسامة عريضة تجعلهم أقرباء من قلوبهم.
ولا يخفي مسؤولو السياحة في أحاديثهم حالة النشوة وهم يتحدثون بحماس عن طموحاتهم في زيادة عدد السياح من 10 إلى 15 مليون سائح سنوياً. وتتسارع وتيرة النشاط السياحي، ويتم حالياً بناء أكبر مجمع فنادق في المدينة التي تمتد طولاً لمسافة 43 كيلومتراً وعرضاً لمسافة 24 كيلومتراً. وتشهد المدينة إنشاء أضخم مجمع لصناعة السينما قد يضاهي مدينة السينما الأميركية هووليود.
وسنغافورة بلد ليس كالبلاد الأخرى المحيطة، فهي المدينة الدولة التي يبلغ تعداد سكانها نحو الملايين الأربعة ونصف المليون، وهناك طموح في زيادة تعداد السكان إلى خمسة ملايين نسمة، وتتوزع عمائرها وسط حدائق جميلة ويكاد لون التراب الأصفر أو الأحمر يختفي تماماً، فاللون الأخضر هو الشائع من حولك وفي كل مكان، أما الشوارع ذات التفرعات الكثيرة فتتميز بتعدد حاراتها واتساعها الكبير الذي لا يسمح بالاكتظاظ والإزدحامات.
والنظافة هي السمة السائدة في المدينة، فلا تجد في الشوارع عقب سيجارة أو قطعة ورق أو «بصاق»، وغاب مشهد «البصاقين» تماماً عن نظري، فالكل هنا متفقون على الحفاظ على نظافة المدينة وحسن مظهرها سواء كانوا من أصول مالاوية (السكان الأصليون 14%) أو هندية (جلهم من المهاجرين الذين دفع بهم الاحتلال البريطاني ونسبتهم تكاد توازي نسبة المسلمين (14%) صينية الأكثرية الساحقة (70%)، وتجمع كل هؤلاء لغة مشتركة هي الإنجليزية، في حين تحافظ كل جالية على تقاليدها وتتذكر أعيادها وتتكلم لغتها الخاصة بها.
جزيرة سنتوزا
يتركز معظم النشاط السياحي في جزيرة سنتوزا الملاصقة لمدينة سنغافورة وتضم الجزيرة حديقة الحيوان وتعد تقريباً الأضخم في العالم ويزورها يومياً مالا يقل عن 10 آلاف زائر ويرتفع هذا العدد في الأعياد و تضم الحديقة أغلب الحيوانات التي تعيش في الغابات المطيرة ويمكن السير على الأقدام عبرها .
حيث لا يفصل بينك وبين تلك الحيوانات المفترسة والأليفة سوى حاجز من الأسلاك المكهربة وخندق يصعب على تلك الحيوانات تجاوزه، كما يتم نقل السياح عبر قاطرات مكشوفة، ويمكن مشاهدة الحيوانات، التي في أغلبها من الحيوانات الليلية، التي تنام نهاراً وتستيقظ ليلاً. ويجد الأطفال هنا متعة كبيرة في التعرف على أنواع الحيوانات. وقد أقيمت الحديقة وسط غابة طبيعية تناسب البيئة الحقيقية لتلك الحيوانات.
التلفريك
تضم الجزيرة مصعداً هوائياً يطوف بك فوق المناطق الخلابة للجزيرة على ارتفاع 30 متراً فوق الأرض وتشاهد من فوق مختلف تفاصيل الغابة والمنشآت السياحية فيها، ويمكن ركوب المصعد (التلفريك) بعد استخدام عربات تنزلق فوق منحدر ينقلك من أعلى الحديقة إلى أسفل. ولرؤية الجزيرة من مكان مرتفع لا بد من صعود برج عن طريق صالون دائري متحرك إلى الأعلى والأسفل ويدور في كل الاتجاهات، ويمكنك من أعلى نقطة في «سكايتاور» مشاهدة معظم تفاصيل البحر والجزيرة من حولك أيضاً في مشهد قل نظيره.
متحف الأحياء المائية
وتمثل زيارة حديقة الأحياء المائية ذروة المتعة، إذ يمكنك مشاهدة الحياة البحرية من كل الاتجاهات عبر نفق طوله 85 متراً سقفه وجدرانه من زجاج ويحتوي على خزان هائل من الأنواع المختلفة من الحيوانات البحرية منها الغريب وغير المألوف الذي يشاهده السياح لأول مرة في حياتهم.
سينما الأبعاد الأربعة
يجد الزائر إلى مجمع المطاعم والحدائق في جزيرة سانتوزا فرصة جوهرية للاستمتاع بأفلام الأبعاد الأربعة، فأثناء الدخول تقدم لك نظارات خاصة لمشاهدة تلك الأفلام التي من دونها لا يجد المشاهد أي متعة. وعند بدء الفيلم يشعر المشاهد كما لو أنه انتقل إلى قلب الحدث وعلى الأغلب تكون عبارة عن افلام مغامرات فكاهية.
فعندما تتناثر الأمواج من حولك أو يهطل المطر تنهال عليك زخات من رذاذ المياه في الصالة وتخال أنك تسير فعلاً تحت المطر، أما الحركات المفاجئة فتتكفل بها الكراسي التي تجلس عليها في الصالة، فهي تتحرك أحياناً بعنف حتى تخال أنك تصطدم بشيء أو تسقط من مكان، أما إذا هاجمك الأسد فإنه يستمر في هجومه حتى يتوقف أمام وجهك تماماً.
سنغافورة - محمد نبيل سبرطلي

