في سياق الحراك الثقافي الذي تشهده الساحة الأردنية خلال الشهر الحالي، يواصل فريق من المسرحيين الإيطاليين تدريباته في مركز الحسين الثقافي بالعاصمة الأردنية عمان بقيادة المخرج نيكولا فالينسانو على عمل مسرحي بعنوان «سالومي»، وهو عرض مشترك بين فنانين إيطاليين وأردنيين، سيتم تقديمه على خشبة مسرح مدينة البتراء في السابع عشر من الشهر الجاري.

النص الذي كتبه الإيرلندي أوسكار وايلد، سوف تتم قراءته باللغتين العربية والإيطالية، ضمن رؤية فنية لموضوع تاريخي يصنف «سالومي» كفتاة مشرقية بابلية متمردة لا على السياق الذي وجهتها اليه السكة الصارمة لقدرها الإجتماعي فحسب، بل حتى على الإطار الذي حبستها فيه الأسطورة.ويلعب أدوار الشخصيات المسرحية (من الأردن) كل من أحمد العمري بدور يوحنا ومحمد بني هاني بدور يانغ سيريانو، و(من إيطاليا) كل من تاتيانا دي أنجيلو في دور ''سالومي''، وروبيرتو سانتي في دور «إيرودا»، وماريا بيا في دور «إيروديا»، وألغو فيرناتوري فابيو في دور رئيس الحرس . أما المؤلف الموسيقي للمسرحية فهو نيكولا سكارديكيو وهو قائد أوركسترا باري، وأحد أهم المؤلفين الموسيقيين في أيطاليا، وآرنستو فالينسانو في دور الراقص.

وفي حين شكلت تجارب التواصل الثقافي أحد الجسور التي طالما سعى مثقفون وشعراء وفنانون الى مدها بين ثقافتهم والثقافة العربية في عالم مضطرب تزعزعت فيه الجسور في كثير من الأحيان حتى بين مكونات الثقافة الواحدة، تأتي هذه التجربة في سياق مشروع يؤمن المخرج فالينسانو أنه ممكن، وجدير بالمحاولة، وهو مد جسور التواصل بين ثقافتين، يرى أن بينهما الكثير من القيم المشتركة، وقابليات التلاقي حضارياً، ويؤمن كذلك أن تجربته تشبه القطرة الأولى التي يتبعها مطر غزير على حد تعبيره.

وللمخرج نيكولا فالينسانو تجربة ممتدة في المسرح، وفي العديد من ألوان الإبداع الدرامي بما فيها السينما، بدأت كراقص مسرح، ثم كفنان مسرحي وسينمائي وتطورت بعد إرهاصات كثيرة الى خوض تجربة الإخراج المسرحي وتأسيس شركة باداثيا في مدينته باري، التي جعلت من بين أولوياتها التواصل مع الثقافة العربية على ما يستدعيه هذا المشروع، من تحديات تبدو في الكثير من فصولها درامية بامتياز.

حول هذا المشروع كان لـ «الحواس الخمس» حوار مع رائده نيكولا فالينسانو، ودار حديث اقترب في بعض مفاصله من الجدل، وإن كان أغلبه إضاءة لمشروع مليء بالكثير من القضايا الإشكالية، والتي تظل في جوهرها انعكاس لمشكلات بنائي الجسور مهما كان نوعها.

وحول مقدمات هذا المشروع، وما شكل في الأساس من دوافع لدى المخرج الإيطالي، قال فالينسانو: إن مشروعي بدأ عام 2002، حيث جئت الى الأردن للمرة الأولى وقدمت آنذاك مسرحيتي الأولى بعنوان لوكانديرا أي اللوكندا للكاتب ريكاردو كوندوني، وتتحدث عن انسان منفرد يقيم في لوكندا، وهي تحاول ان تعالج التناقض الذي يعيشه شخص يقيم في مكان مخصص للنوم، لكنه لا يستطيع أن ينام أبدا.

ويضيف فالينسانو قائلاً: بدأت آنذاك التفكير في مشروع مسرحية مشتركة بين فنانين إيطاليين وعرب، يتكون نصها من اللغتين العربية والإيطالية، فعملت على انتاج مسرحية بعنوان عرس الدم وهي مأخوذة عن مسرحية عرس الدم للأسباني غارسيا لوركا، وسرعان ما بدأ يتشكل فريق يتكون منه ومن الفنان الأردني أحمد العمري والموسيقي عبد الرزاق مطرية، وعرضت تلك المسرحية في إيطاليا والأردن باللغتين العربية والإيطالية.

واستطرد نيكولا قائلاً: إن المسرحية الحالية التي تحمل عنوان «سالومي» هي بمثابة ثمرة لتطور تجربة العمل مع الفنانين العرب.

وحول ما يريد فالينسانو تحقيقه من خلال هذه المسرحية يقول: إن توصيل اللغة العربية الى المتلقي الإيطالي، وكسر غربة اللغة عن الذائقة الجمالية لجمهور المسرح هناك، وكذلك تحقيق العكس لدى الجمهور العربي هو هدف يستحق الجهد. ويتابع نيكولا حديثه قائلاً: إن الأهداف البعيدة المدى والعميقة لمشروع من هذا النوع لا تظهر بشكل سريع، ولا من خلال تعبير مسرحي واحد بل من خلال جهد متصل ربما يشكل '' قطرة المطر الأولى التي يتبعها مطر غزير.

وحول أسباب اختياره الأردن كمنطلق لمشروعه قال نيكولا: لاحظت منذ البداية أوجه الشبه في التضاريس بين عمان وبلدي باري، وكذلك روما ذاتها المكونة من جبال، وهو أمر ساعدني بشكل سريع على تكوين صلة بيني وبين المكان، تبعتها صلات اجتماعية وفنية شكلت دافعاً لي للاستمرار.

وأضاف قائلاً: إن القيمة الثقافية والإبداعية للمشروع شكلت حافزي الأكبر، وان كان الناس في تفاصيل تعاملهم اليومي، قد فرضوا علي بعض التحديات غير المتوقعة، وأحيانات المحبطة من بينها موضوع الالتزام بالوقت، الذي يبدو لي ايقاعه بطيئاً جداً خلافاً للحياة في إيطاليا، لذا بدأت بالانتباه إلى أن أهم ما يمكن أن أحققه كفكرة أساسية في البناء العام للعمل، هو مفهوم الحركة والدينامية الحركية كعامل ذاتي، والتي تستوجب تغيراً بنيوياً في منظومة واسعة من المفاهيم.

وحول ما يتطلبه مشروع من هذا النوع من امكانات ثقافية وذخيرة معرفية بالعالم العربي وثقافته وتاريخه، وما اذا كان المخرج نيكولا يعتقد أنه استحصل عليه من معرفة في هذا المجال قال: من المؤكد انني احتاج باستمرار الى تطوير معرفتي في هذا المجال، لكنني أشعر عندما أرى كل جدار وجبل ومكان أزوره أنني أستلهم مما يحتويه من تاريخ عميق، وهو تاريخ يشتمل على طاقة هائلة تحتاج الى عمل من مستواها.

وحول مسرحية سالومي قال نيكولا: إن الرؤية الجديدة التي تحاول المسرحية أن تمسك بها في قصة أوسكار وايلد ،وما تضج به من أحداث هو القمر ، وعلاقة وجوده الذي يرى كل ما يجري ويقوم بتغييره، القمر هو الفاعل الضمني في المسرحية، وهو الذي يرسل نوره إلى سالومي التي تتمرد لا على سياق حياتها الخاصة وما أرغمتها على القيام به عبر رفضها للرقص فحسب، بل على ما أسرتها داخله الأسطورة ذاتها كرمز للشر، وجد فيه الكثيرون منفذا لتجميل شرورهم.

وختم نيكولا فالينسانو قائلاً: لقد ولدت سالومي لأم شريرة، وأب سيء، ومحيط اجتماعي ينضح بالمفاسد ثم ها هم يتملصون من شرورهم الواحد تلك الآخر، تاركين سالومي تغرق في أوحالهم، لكنها لا تجد كي تسترد شيئاً من نورها الداخلي النقي الذي استلهمته من نور القمر، عندما اغتسلت به سوى أن ترفض الرقص كموقف، وفعل احتجاج استردت من خلاله حريتها، وكيانها المستلب، فالقمر هنا مؤثر داخلي يغير من يدركون وجوده كمطلع على تناقضات الوجود كلها، وعلى الحقيقة من وجوهها المركبة.

عمان - محمد أبو رحمة