ظاهرة أغاني «الفيديو كليب» غيرت مفهوم الغناء كله وبعد أن كان الغناء فنا يحوز الاحترام والتقدير لدرجة تسميته بـ «فن الطرب» أصبح هناك الغناء المصور والغناء الراقص وبدلا من الغناء المسموع أصبح هناك الغناء المشاهد وبعد اعتماد الغناء على الصوت واللحن والموسيقى أصبحت هناك أغان تعتمد على العين والحركات..

وأوجدت الظاهرة آثارا اجتماعية تجلت في تنمية مشاعر متعددة ومختلفة كتأجيج الغرائز بدلا من تنمية العواطف بما يقود إلى النبل، وذلك وسط ما تمر به الأمة من أزمات طاحنة، فهذه الأغاني المليئة بالصخب والعري تفصل الشباب عن واقعهم وتأخذهم إلى عالم يختزل الإنسان إلى مرتبة متدنية،.

حيث وضعت الإنسان في دائرة الإباحية فقط، ومما يزيد من وطأة هذا الواقع السيئ غياب الانتماء والهوية والمنظومات القيمية ومرجعية الأخلاق الدينية، مما يساوي الأمور في عيون الشباب ويصبح من الصعب التمييز بين الجميل والقبيح وبين الخير والشر، والأدهى والأمر أن شاشات التلفاز تحولت بما فيها إلى مكونات أندية ليلية، يقبع أمامها الأطفال والشباب يتابعون تلك الأغاني الماجنة بشغف وولع، بلا رقيب ولا حسيب.

«الحواس الخمس» استطلع تأثير الفيديو كليب على الشباب.. بداية يقول سعود الميل طالب جامعي: الفيديو كليب في هذه الأيام لا يحمل فكرا، ولا فنا ولا حتى إبداعا.

وإنما هو استغلال الإنسان بهدف تحقيق الربح، فالفن الراقي لا يروج أبدا للإباحية، فنحن نعيش الآن ثورة الخلاعة، والانحلال. فالقنوات الفضائية العربية لم تكتف بهذا فقط بل فتحت المجال أيضا للشباب والشابات لتبادل البرقيات أو الرسائل التي تمر في شريط في أسفل الشاشة، وللأسف باتت قنواتنا بفعلها هذا تصرف الانتباه عن مشاكل كبرى وأساسية، وتبعد الأسر عن تنشئة الشباب على القيم والأخلاق الحميدة.

و يضيف: كما أن الأثر السيء الناجم عن تلك الأغاني الهابطة يقاس بمعايير كثيرة، عقائدية، واجتماعية، واقتصادية، بل إن الأشرطة المصورة لا تبث إلا قصورا منيفة، وسيارات فارهة، وملابس فاضحة، هذا لا يزيد شبابنا إلا إحساسا بالدونية، والانبهار السلبي، والاندفاع إلى سلوكيات اجتماعية واقتصادية لا تحلل ولا تحرم، وصولا إلى الثراء بطريقة سلبية.

و لمريم اليماحي - موظفة- رأي حول هذا الموضوع فتقول: للأسف رجال أعمال عرب يقفون وراء تلك المحطات و يمولونها، آخذين في الحسبان اعتبارات السوق، والسلع، وقلة الوعي عند الناس في المنطقة، ومخاطر الاهتزازات الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن الأزمات، فالشباب يمثلون قطاعات حيوية في المجتمع، والأنظمة ليس بمقدورها أن تبني مشروعا اجتماعيا أو اقتصاديا يؤطر الأمنيات، ويفتح لها مجالات الطموح، فلجأت إلى فتح الثقوب للغرائز!

وتضيف: فضلا عن قنوات العري، هناك الاستخدامات الإباحية لشبكة الإنترنت، حيث غرف الدردشة، التي تفتح الحوار المباشر في مواضيع لا تسمن ولا تغني، فلا بد من مسؤولية يضطلع بها الإعلاميون وغيرهم من أولياء أمور الشباب، إزاء هذا الغزو الفضائي و الإلكتروني، لكي لا ينشأ جيل منحرف، يحصر آماله وتطلعاته في مساحات تافهة.

وبانفعال شديد تتساءل سكينة أحمد - موظفة- أين المسؤولون عن جهاز التليفزيون؟ وأين رجال الرقابة؟ فأعداد أغاني الفيديو كليب التي تذاع أصبح لا حصرَ لها، ولا يوجد حسيب ولا رقيب على قلة الحياء والخلاعة التي نراها كل يوم، ويجب أن يعلم القائمون على مثل هذه الأمور أنَّنا نرفض هذه المهزلة.. وما ترمي إليه من إثارة الغرائز والكلمات المثيرة والرقص الخليع وغيرها.

الشابة منى علي - موظفة- تقول: أتابع الفيديو كليب، ولكن ليس كل من هب ودب يستحق أن يُسمع.. فاليوم تنقسم أغاني الفيديو كليب إلى نوعين، الأول يخاطب الجسد، والآخر يخاطب العاطفة، وأنا أفضل الثاني..لا ننكر أن هناك الراقي منها الذي يسمو إلى درجة الإنسانية، والحب جزء من الإنسان..

معترفةً بأن لهذه العادة سلبيات كثيرة أهمها إضاعة الوقت، والتعرض لبعض المشاهد التي تقترب كثيرة تتعدى حدود اعتبارها مخلة بالآداب.

في حين تتجه نور معتز - طالبة جامعية- إلى فكرة أخرى، حيث تقول: رقابة الضمير هي التي تحدد المادة التي يفضل العقل مشاهدتها، ليس الضمير فقط بل الوازع الديني.. مشددة على أن الله خلق الإنسان وخلق له عقله (فهو من يتحكم بالريموت كونترول، وليس العكس).

وتتابع: مع ذلك أنتقد القول إن كل من يتابع الفيديو كليب سيتحول إلى درجة الإدمان، فقد يتعرض الإنسان لآثار هذه الأغاني، ولكن عليه أن يقرر أن لا يكون مهووساً بها.

أما الجامعية رؤى عبدالله المنذري فترى أن الفيديو كليب أصبح وسيلةً من وسائل عرض الأزياء وحسب، فالإغراء والتعري هما سيدا الموقف، والأغنية الناجحة هي التي تستطيع تقليد الكليبات الأجنبية بكل ما تحتويه من لحن وكلمة وحتى.. البشر.

مضيفة: عن نفسي أفضل سماع الأغاني الطربية الأصيلة التي تحمل معاني الوفاء والإخلاص، بشكل أكبر بكثير من أغاني هذه الأيام.

علياء راشد المهيري - موظفة و طالبة دراسات عليا بجامعة الشارقة تقول: الضحية الأولى لتلك القنوات الهابطة التي ليس لها إلا أن تبث سمومها ليل نهار هم الأطفال، الذين يتأثرون شيئا فشيئا بها، فنراهم يقلدون حركات المطرب أو المطربة، ويصل بهم إدمان مشاهدة تلك الأغاني في وقت الليل حيث الجميع نيام.

والمضحك المبكي في نفس الوقت هو أن رب الأسرة أحيانا ينهر أبناءه ويمنعهم من مشاهدة القنوات المريضة، ولكنه في نفس الوقت حريص كل الحرص على عدم تفويت أية أغنية ماجنة له هو.

دبي - جميلة إسماعيل