منذ مشاركته الأولى في تلحين قطعة غنائية وطنية هي «أنشودة الصحراء» في سبعينات القرن الماضي، أصبح اسم شكيب العاصمي يتردد كأحد أبرز الملحنين المغاربة الذين تابعوا مسيرة الملحنين الكبار من جيل الرواد.
ولم يقتصر تعامل العاصمي مع الأصوات الغنائية المعروفة، أو وضع الموسيقى التصويرية لبعض الأعمال والمسلسلات التلفزيونية، فقد حرص أن يكون وفيا لآلة العود التي أحبها مبكرا وتعلمها عندما كان يعيش في القاهرة بكنف والده الدبلوماسي، وهناك قضى أجمل أيامه مع أساطين الغناء والموسيقى، وهو يحتل اليوم مكانة رفيعة بين عازفي العود في المغرب بطابعه الشرقي.
التقت «الحواس الخمس» التقى الموسيقي شكيب العاصمي، وكان هذا الحوار:
كيف تتولد عندك فكرة اللحن؟
الخطوة الأولى بالنسبة لي هي أن أحس بالكلمات وأتجاوب معها. واختياري للكلمات يرجع إلى إعجابي بفكرة معينة أو موضوع ما، ثم بعد ذلك اختار الصوت المناسب الذي سيؤدي الأغنية، لأن التلحين صناعة ولا يمكن لي أن أضع لحنا إلا على مقاس صوت معين، أبين إمكانياته وقدراته، واخفي عيوبه، لأن كل صوت مهما كانت قوته وجماله لا يخلو من عيب ما، والملحن المتمكن هو الذي يخفي العيوب ويبين مزايا هذا الصوت، وعندما احصل على بعض الإرهاصات احتفظ بها حتى أجد الصوت المناسب، فانا لا أضع ألحانا جاهزة تصلح لكل الأصوات.
إلى ماذا تعزو نجاح أو فشل الأغنية؟
للألحان والكلمات دور في نجاح أو فشل الأغنية، غير أن تقييم القطع الغنائية من الناحية التقنية يختلف باختلاف المتلقي، وبشكل عام لابد من توفر بعض العناصر لضمان نجاح الأغنية كسلامة الوزن والانسجام في تركيب اللحن والأداء والصوت والعزف ثم التسجيل، أي أن تكون الأغنية خالية من أي عيوب أو نشاز.
وما نراه حاليا إن النجاح والفشل يرتبطان بذوق الجمهور وليس وفق المعايير الفنية، فلا يمكن أن نغفل عوامل أخرى مثل الدعاية والعرض المستمر للأغنية من خلال الفضائيات والسهرات، كما أن شهرة الفنان قد تغطي على عيوب الكثير من الأغاني التي يؤديها وهذا يفسر نجاح أغنية معينة رغم رداءتها أحيانا.
وكيف ترى تعامل الجمهور المغربي مع ألحانك؟
الجمهور المغربي هو أصعب جمهور عربي لأنه يستحيل إرضاؤه ككل، بحكم تنوع الأذواق الذي يرجع إلى تنوع الفولكلور الغنائي في المغرب، فكل ما يسعى إليه الملحن أو الفنان هو أن يرضي فئة من هذا الجمهور.
ماذا عن تجربتك في التلحين للأطفال؟
واتتني فكرة التأليف والتلحين للأطفال كرغبة في البحث عن الجديد، وقد وجدت أن تلحين أغنية للطفل يتطلب مجهودا كبيرا لأن على الملحن أن يستدعي عالما صار بعيدا عنه وأن يتقمص شخصية غير التي يتعامل معها مهنيا، وبالتالي أن يكون اختياره دقيقا للجمل والكلمات التي يسهل استيعابها، وأنغامه بسيطة ومؤثرة، وعندما يلحن أي قطعة عليه أن يعرضها على أطفاله أولا حتى يكتشف رد فعلهم.
تواجه الأغنية العربية الجديدة اتهامات كثيرة أقلها أنها أغنية تجارية، ماذا تقول؟
وضع الأغنية الحالي جزء من واقع فني يعاني مشاكل عدة أبرزها انتشار الشركات المنتجة والتي تجد أعمالها على الرغم من تدنيها في اللحن والأداء وحتى الكلمات رواجا كبيرا في الأسواق دون غيرها من المنتوجات الفنية الراقية، والتي لا تجد دعما أو تشجيعا يجعلانها قادرة على المنافسة في سوق يتعامل مع الفن كسلعة استهلاكية.
ولا يكفي أن نشخص هذا الواقع، ومع إدراكنا أن المنتج عليه أن يربح كي يعيش، لكن للأسف، الرديء الآن هو الرائج، ولا بد من عمل وجهد لوضع حد لهذا العبث في الميدان الفني، وعلى النقابات الفنية العربية أن تتعاون وترقى بالميدان إلى المستوى الذي نتطلع أن نصل إليه.
كان على من يدخل ميدان الفن في السابق أن يتمتع بالإبداع والتميز قبل أن تصبح العوامل المادية هي جواز المرور إليه، فنحن نسمع اليوم عن كيفية بيع وشراء الألحان وعن أساليب تلميع الوجوه الغنائية بما في ذلك عمليات التجميل للتغطية على الرداءة، وكيف أصبح الفنانون الشباب يجنون أموالا طائلة في أول نجاح يحققونه.
بينما في الماضي كان الغناء مرادفا للمعاناة والاحتياج، وانتظار السنوات الطوال قبل الوصول إلى الشهرة وتحقيق الكسب المادي، والظاهرة اللافتة، وباستثناء عدد قليل، فإن غالبية هذه الوجوه المسيطرة على الفضائيات لا علاقة لها بالفن الغنائي ولم تدرس الموسيقى، عدا أنها تفتقر للثقافة، وتعيش قطيعة حقيقية مع التراث الغنائي العربي.
الرباط ـ رضا السيد
