لم ترس دراما الأجزاء في الدراما السورية حتى اليوم على الأقل، إلا منهج التكرار ومن ثم السقوط.. لعبة الأجزاء وفق ما جاءت عليه، لم تكن ذات منشأ فني بقدر ما كانت هاجسا إنتاجيا أراد أن يستثمر نجاح الأجزاء الأولى، في أجزاء أخرى (بيّاعة)، ستجد من يتلقفها سريعاً تحت تأثير ذلك النجاح، والأمر على هذا النحو سيبدو جلياً في نصوص صيغت على عجل، سقطت في هوة تكرار الأفكار أو رداءتها وربما سذاجتها أحيانا.
تاريخ الأجزاء في الدراما السورية لا يبدو مشجعاً كفاية، وقليلة هي الأعمال التي نجت من السقوط في هوة تكرار الأفكار أو رداءتها وربما سذاجتها أحياناً، بينما كانت السمة الغالبة لدراما الأجزاء تراجع النجاح العكسي للمسلسل مع ازدياد عدد أجزائه. ونستطيع في هذا السياق ذكر الكثير من الأمثلة لن نختلف على تراجع سويتها كثيراً، ربما بدت أكثر وضوحاً في الأعمال الكوميدية ولعل أكثر مثالاً على النهايات الدراماتيكية البائسة لدراما الأجزاء تجلت في سلسلة عائلة النجوم بدءا من مسلسل «عيلة خمس نجوم» بطولة سامية الجزائري وأمل عرفة وفارس الحلو، والذي حقق نجاحاً كبيراً، وقدم أبطاله من الممثلين بوصفهم نجوما حقيقيين في عالم الكوميديا، وقد استحقوا ذلك بجدارة بعد أن أضحكوا الناس بعفوية..
ثم سرعان ما بدأ بريق هذا العمل يخفت مع مسلسل عيلة ست نجوم، فسبع نجوم.. بعد أن بدأت الأجزاء التالية تبتعد عن الكوميديا ونقترب أكثر من التهريج. والحكم ذاته ينطبق على النجاح الحقيقي والمثالي الذي حققه مسلسل (جميل وهناء) والبريق الباهت والمخيب للجزء الثاني (ألو جميل..ألو هناء) رغم أن فريق العمل استمر في الجزأين مع تغيير بسيط في طاقم العمل التمثيلي..
فإذا كان الأول قد حقق نسبة مشاهدة عالية بفكرته وأداء الممثلين، فتهريج الجزء الثاني قلب المعادلة وخصوصا لجهة الأداء.. بالمثل سنتذكر تراجع عمل شعبي بامتياز مثل «بقعة ضوء» مع تتالي أجزائه خلال السنوات الماضية، حتى سقط في جزئه الخامس على النحو ذاته، ولنتذكر معاً تفاصيل بقعة ضوء (الجزء الأول والثاني) ثم لنحاكم كوميديا بقعة ضوء خامساً.
في الدراما الاجتماعية رغم أننا لم نشهد حالات سقوط دراماتيكية للمسلسلات التي نفذ منها أكثر من جزء نتيجة نجاح الأجزاء الأولى منها، إلا أننا نادراً ما وجدنا مسلسلاً يتابع في أجزائه التالية بذات الجاذبية التي نالها الجزء الأول، كما حدث في الموسم الرمضاني الفائت في مسلسل «جنون العصر» الجزء الثاني من مسلسل «عصر الجنون»، أو «باب الحارة» التي انخفضت شعبيته مع تتالي عرض حلقات الجزء الثالث منه.
إن كانت الأجزاء في المسلسلات الاجتماعية نجت من هوة السقوط، إلا أنها لم تخل من مفارقات بدت أحيانا مثيرة للاستغراب وفي أحيان أخرى مثيرة للسخرية، ولعل أكثر هذه المفارقات إثارة هو ما حدث في مسلسل «اخوة التراب».
ففي الجزء الأول جسد النجم أيمن زيدان ـ مدير الشركة المنتجة للعمل (الشام)، دور البطولة في العمل فأدى شخصية الابن الأكبر للعائلة الفقيرة الذي يذهب عوضاً عن ابن أحد الأثرياء إلى حرب السفر برلك، إلا ان النجم زيدان أصر في الجزء الثاني من المسلسل أن يقدم شخصية «صالح العلي» وهو الأمر الذي أثار خلافاً بينه وبين مخرج الجزء الأول الفنان نجدت أنزور، انتهى بتنحي المخرج أنزور عن إخراج الجزء الثاني وتولي المخرج التونسي شوقي الماجري المهمة مكانه.
في رمضان الفائت تابعنا مسلسل «الخط الأحمر» وهو الجزء الثاني من مسلسل «كسر حاجز الصمت» للمخرج يوسف رزق والكاتب هاني السعدي، وللمفارقة المثيرة للسخرية أسند المخرج رزق دوراً للممثل الشاب الليث المفتى كان قد أداه في الجزء الأول الفنان قيس الشيح نجيب، رغم أن الفنان المفتي كان قد أدى في الجزء الأول شخصية شاب مصاب بمرض إيدز يقضي نحبه في آخر الجزء الأول، وما المانع..؟ يتساءل المخرج رزق عن ذلك في أكثر من حوار.
من البديهي ألا يكون الليث المفتي في الجزء الثاني، كون أحداثه وشخوصه امتدا في الجزء الثاني، وهو الأمر الذي يقتضي احتراماً لعقل المشاهد على الأقل.
المسلسلات التي نجت بأجزائها من هوة السقوط الجماهيري كانت في غالبها من تلك المسلسلات المعدة مسبقاً لتكون في أكثر من جزء مثل مسلسل «باب الحارة» الذي كتب وصور منه جزأين قبل أن يبدأ عرض الجزء الأول منه، وبالمثل كان حال مسلسل «أولاد القيمرية» الذي صور جزأيه معاً وتابعنا الجزء الأول منه رمضان الفائت على قناة «الأوربيت»...
إلا أن هذا لا يعني أن هذه الأعمال ستنجو أيضاً من هوة السقوط فيما لو رغبت بأن يكون لها أجزاء أخرى إضافية، ففي الجزء الثالث من مسلسل «باب الحارة» تراجعت شعبية المسلسل، وكان من الصعب في الحلقات الأولى من هذا الجزء أن نلتقط حدثاً واحداً جديداً يستحق أن يؤجل من الجزء الثاني ليكون محرك الأحداث في جزء جديد، وآلية التنفيذ ذاتها ربما تهدد بسقوط الجزء الرابع من المسلسل، الذي أعلن عن إنتاجه ليعرض رمضان القادم، على الأقل إن لم يكن كذلك فنحن أمام جزء رابع بالترتيب، أول بالأحداث.
الرؤية الواقعية لدراما الأجزاء في الدراما السورية تقتضي الإشارة إلى تجربة مهمة فيها، لعلها هي الأنموذج الذي نريده لدراما أجزاء ناجحة؛ هي تجربة الأجزاء التي تعتمد الفكرة العامة،.
ولكن تفاصيلها تبني كل منها على حدة كما هو الحال في «رباعية الأندلس» للمخرج حاتم علي والكاتب وليد سيف التي تابعنا منها ثلاثة أجزاء كان آخرها «ملوك الطوائف» وبقي منها جزء رابع هو «سقوط غرناطة» قيد التنفيذ، وبالمثل سنجد تجربة مسلسل «الحصرم الشامي» للمخرج سيف الدين سبيعي والكاتب فؤاد حميرة، والذي يعمل على تأريخ الشام ولكن ضمن فترات متباعدة زمنياً وقد أنجز منه حتى الآن جزأين وقيل إن ثمة جزءا ثالثا وربما رابعا قيد الكتابة.
بالعموم ربما يأتي رفض بعض المخرجين تنفيذ أجزاء جديدة من أعمالهم الناجحة لتوجسهم من الاستثمار الفاشل لهذا النجاح، فإذا ما احترمنا رغبة رأسمال باستثمار جماهيرية هذه الأعمال، سيبدو السؤال مشروعاً: لماذا إذاً لا نسخر كل طاقتنا، كتاباً ومخرجين وإنتاجا، لتقديم أجزاء ثانية بذات المستوى..؟
السؤال هنا بمضمونه سيطرح في الغالب عشرات من الأسئلة المبهمة، تبدأ بلاشك من سؤال لا إجابة مقنعة له، عن السيناريست القادر على إنتاج أفكار مبتكرة وجديدة تشكل امتداداً لأحداث الحكاية الأصلية وإغناء لها، لا تكرارا ممل يقتلها.
دمشق ـ ماهر منصور

