«ادعي علي بالموت وإلا سمني، بس لا تفارقني دخيل الله وتغيب.. طاري السفر يا بعد عمري همني، وشلون أودع في المطار أغلى حبيب»، أغنية أبدعها غناءً الفنان السعودي راشد الماجد.
وتألق فيها لحناً الفنان الكويتي مشعل العروج، حتى أضحت حكاية تتناقلها القنوات الإذاعية والتلفزيونية العربية من المحيط إلى الخليج، لكونها أغنية لامست قلوب وأحاسيس ملايين البشر، الذين تجبرهم ظروف الحياة على وداع أشخاص عزيزين عليهم في هيئات مختلفة.. فيا تُرى من أين بدأت حكاية هذه الأغنية العاطفية والإنسانية، ومن هو صاحب كلماتها..في الغالب تأخذ الأغنية شكلاً واحداً من الشهرة، وهي شهرة صوت مغنيها وحسب، لذا أردنا تسليط الضوء على اسم شعري كبير، أبدع إلى الآن ما يزيد على 200 قصيدة من الشعر النبطي في مختلف العناوين والموضوعات. وقدَّم عشرات القصائد إلى العديد من الفنانين الخليجيين والعرب، فصارت كلماته علامة فارقة على مستوى الأغنية الجميلة، أما هو فبقي منذ نحو عقدين أسير الكواليس، يعانق دفاتره الشعرية ويطالع فيها وحدها واقعاً هو ارتضاه منذ نعومة أظفاره.. إنه الشاعر الإماراتي عبدالله الشامسي، مبدع الكلمة التي سرعان ما يحولها اللحن إلى أغنية تشدو وتحلق في فضاء العالم العربي.
تجربة وامتياز
بحثاً عمن يظلمهم الواقع ولا تسعفهم ظروف مواقعهم الفنية، كان لا بد من قراءة تجربة فنية ترقى إلى مستوى الامتياز في الواقع الشعري، بدأت منذ نحو 20 عاماً، وتعيش الآن حالة خصوبة شعرية، تبدع بلا توقف، وتسرد الواقع لمن يعيشه، ولا تبخل بنقل تجارب وأحاسيس الآخرين شعراً يشدو في مختلف المواقع والمناسبات.
عبدالله الشامسي، روح وقلب وإبداع، شرب من «عين الشعراء» وهو اسم قديم حديث لإمارة عجمان، التي ظلت تزهو بالشعر والشعراء، وهو يؤكد أنه في هذا السياق لا يمكن له أن يغفل فضل سمو الشيخ عمار بن حميد النعيمي ولي عهد عجمان رئيس المجلس التنفيذي للإمارة، الذي وقف إلى جانبه، وظل الداعم الأبرز لمسيرته الشعرية المكللة بمئات القصائد المعبرة.
القصيدة الأولى
مطلع القصيدة الأولى له يقول: «بس كافي من المذلة والخضوع.. بس يكفيني إهانات وجراح»، ومنذ العام 1990 بدأ الشامسي في تسجيل قصائده في مجالس الشعراء، بحضور عدد من كبار الأسماء الشعرية، منهم بطي المظلوم وراشد شرار والمرحوم علي بن رحمة الشامسي وربيع بن ياقوت، أضف إلى ذلك مساهماته الشعرية في جلسات إذاعية وتلفزيونية في عدد من القنوات المحلية.
هذه التجربة الثرية، صقلت موهبة عبدالله الشامسي الشعرية، فصار يبدع الكلمة في مواقع كثيرة، وظل نجمه بازغاً في كثير من المناسبات الفنية.. واليوم يواصل عبدالله الذي لا يتجاوز في عمره الـ 34 عاماً تألقه في هذا الجانب، وتعاونه مع عدد كبير من الأسماء الفنية العربية من أجل غناء قصائده لحناً يرتضيه الجمهور.
وبحكم أن شيوخ الإمارات يظلون الأجدر في نظم الشعر وقوله، فقد أضحى الشعر الشعبي الإماراتي سلاحاً قوياً يصقل ألسن المبدعين، فحجم الرعاية والاهتمام بهذا الحقل يظل كبيرا ومثاليا من قبل قيادة الدولة، وليس أدل على هذا الحديث من البرامج والفعاليات والمسابقات الشعرية التي تحتضنها دولة الإمارات، هكذا يضيف.
بداية جريحة
بداية الشامسي الشعرية، كانت جريحة إلى حد ما، والسبب من وجهة نظره في أنها وعلاوة على كونها جاءت في مرحلة المراهقة، فهو كشخص يبقى ممتداً في خياله، يغلب عليه طابع الحزن، يضحك ويفرح كثيراً، لكنه يقبض على الحزن في داخله طويلاً، لذلك لا تروق لمسامعه الأغنيات الفرحة والسعيدة.
في العام 1997 غنى الفنان الإماراتي ياسر حبيب أول قصيدة للشاعر عبدالله الشامسي، وإلى الآن أضحت عشرات قصائده أغنيات جميلة لا تزال مدوية في السوق الفني، والسبب الذي دفعه لدخول هذا المجال هو حبه وإصراره وطموحه في أن يترجم ما يقوله إلى ألحانٍ وأغنيات، ومن خلال معارفه في الوسط الفني توصل إلى أسماء فنية كبيرة تقبلت بثقة قصائد الشامسي التي لا تقل مستوى عما قاله شعراء كبار.
وعندما يلجأ الشامسي إلى كتابة قصيدة ما، لا يفترض في الواقع أية أجواء رومانسية وهدوء وشاعرية، كما يدعي الكثيرون، فهو كما يقول يملك القدرة على كتابة الشعر في أي مكان، وتحت أي ظرف.. والمقهى يبقى المكان الأبرز الذي تتولد فيه أفكاره، فهو حينما يكتب لا يشعر بمن حوله إطلاقاً، وجل ما يلزمه ليبدع قصيدة ما هو فنجان قهوة وسيجارة أو «رشفة مدواخ».
مخاض الشعر
ولادة الشعر في قاموس عبدالله الشامسي لا تتطلب عناءً كثيراً، حيث ان قصيدته التي ينوي إتمامها لا بد أن تكتمل في ظرف ساعات معدودة، وفي أسوأ الحالات في يومين.
وإن فات عليها من الوقت أكثر من ذلك تجدها بين قصاصات الورق الكثيرة المركونة في جيبه قديماً، فالقصيدة بالنسبة له وليدة اللحظة الحبر دمها، تماماً كما مخاض الولادة، كما أن القلم وقصاصات الورق والطموح والإصرار ثوابت في حياة الشاعر عبدالله الشامسي، تسير معه إلى أي مكان تأخذه إليه قدماه.
وفي عمله مع الملحن والمطرب، لا يقبل الشامسي أن يغيب أبداً طالما الأغنية لم تخرج بعد إلى النور، وهو يتابع قصيدته المكتوبة لتترجم لحناً وشعراً في كافة المراحل، ويظل إلى جانب الملحن والمطرب حتى وإن تطلب منه الأمر البقاء لساعات الفجر.
وذلك ليطمئن على أن كلماته المكتوبة ستغنى بالشكل الصحيح، وستنقل ذات الإحساس الذي أحسه عندما كتبها إلى المستمعين أينما وجدوا، وكما يوضح الشامسي فإن فكرته الشعرية تكون دائماً ليلتمس فيها أحاسيس الجمهور، ولينقل من خلالها ما يدور في أذهانهم، فهي إبداع يلامس المشاعر أينما وجدت، وقصائده بمجملها تعبر عن ملايين البشر في العالم العربي، وهي لسان كل من لا يجيد التعبير.
فنانون وملحنون
تعامل عبدالله الشامسي مع ملحنين كبار، منهم: سفير الألحان فايز السعيد، ومشعل العروج وخالد ناصر وموسى محمد وطارق المقبل والفارس، فيما قدم من الأغنيات الخاصة الكثير، وغناها محمد عبده وكاظم الساهر وأصالة وراشد الماجد وأحلام.
وفي مجال أغنيات السوق قدم عبدالله الشامسي عشرات القصائد إلى العديد من الفنانين الخليجيين والعرب.. ياسر حبيب غنى له أكثر من 10 أغنيات، وراشد الماجد غنى «إدعي علي بالموت» و«يا عزوتي»، وفايز السعيد «قورة التين»، وحسين الجسمي «رحلة قطار» و«أم الوصوف»، وعيضة المنهالي «يا حميد بن راشد» و«حلم الخيال» و«لو كتبت»، و«دعوة المظلوم» لمحمد البلوشي، و«سهران ليلي» لوليد إبراهيم، و«يا شايفٍ نفسك» لعمر العامري، فيما غنى له باسل عزيز «وعيونك»، ونسايم «لا تيجي دربي»، وليلى اسكندر «السالفة وما فيها»، وقريباً ستنجز نورهان أغنية أخرى له اسمها «مليون ما نبغي».
دبي ـ عنان كتانة

