طريقها لم يكن مفروشاً بالورود، ولم تولد على الرغم من أن والدها كان ضابطاً في البوليس وفي فمها ملعقة من ذهب، بل عانت في طفولتها كثيراً من المآسي.. انفصل والداها واستقل كل منهما بحياته مع شريك آخر، فحرمت من حنانهما وعانت من جور زوجة الأب تارة وقسوة زوج الأم تارة أخرى، وحينما أرادت أن تجد لنفسها مخرجاً من هذه الحياة القاسية وجدت في الأبواب الخلفية للسينما المصرية طوقاً للنجاة.
لم تكن تحلم بأن تكون في يوم من الأيام أحد أهم نجماتها، لكنها بالفعل كانت، ولم تزل إلى اليوم رمزاُ، تدعي كثيرات أنهن يتخذنها قدوة في الإغراء .. حظيت بلقب «مارلين مونرو الشرق»، وتوقع لها كثيرون نجاحاً متوهجاً، إلا أنها آثرت في كامل توهجها أن تختفي، آثرت الحب على المحبين.. هكذا هي «هند رستم»، شخصية فريدة من نوعها، جريئة، متوهجة، دلوعة، رفضت بشدة أن تبيع ذكرياتها، إلا أنها أطلعت «الحواس الخمس» على كثير من تفاصيلها خلال الحوار التالي: نبدأ من مدينة الإسكندرية حيث النشأة.. كيف اتجهت إلى عالم السينما من هذه المدينة؟
دخولي إلى السينما لعبت فيه الصدفة دوراً كبيراً، وذلك عندما كنت ذاهبة إلى سينما «كوزمو»، التي كانت تعرض آنذاك فيلماً للفنانة ليلى مراد، ووجدت هناك زحاماً شديداً، وقتها كان عمري 15 عاماً، كنت أريد أن أشاهد الفيلم وحاولت كثيرا لأجد مقعداً لي وفشلت، إلا أن إحدى السيدات أجلستني أخيراً إلى جانبها، ولاحظت أنها أخذت تتطلع إلي أكثر من الفيلم، ثم فوجئت بها تعرض عليّ الذهاب معها إلى أحد المكاتب الخاصة بطلب فتيات للعمل بالسينما، فانبهرت بالفكرة، ووافقت على الفور، وعندما ذهبت وشاهدني المخرج عز الدين ذو الفقار قال لي هل تجيدين اللغة العربية، لأنه توقع أنني غير مصرية، ومن هنا بدأت مشوار السينما في البداية كومبارس، ومنها إلى أول أفلامي «أزهار وأشواق» مع عماد حمدي ويحيى شاهين.
هل اتخذت قرار العمل دون الرجوع إلى أسرتك.. وهل هذا يعني أن الأسرة لم تعارضك؟ بالفعل أخذت القرار في التجربة الأولى من قرارة نفسي، وحينما علم والداي شنا عليّ حرباً قاسية، كان الأهل ينظرون إلى التمثيل نظرة دونية لاسيما أن جذور أسرتي تركية تتسم بالتشدد، لكن حينما قررت أن أسير في طريقي إلى النهاية بمنتهى الحسم قاطعني والدي نهائياً، لكني لم أتراجع، وفضلت التمثيل لأثبت للجميع أنني قادرة على النجاح.
الأمر تفاقم مع أسرتك بعد أن أديت دوراً صغيراً.. فماذا بعد أن أديت أدواراً متقدمة؟
ازداد موقف أسرتي رفضاً وقسوة، واعتبروني قمت بعمل لا يليق بتقاليد الأسرة، لذلك اتخذوا قراراً بمقاطعتي، وعلى الرغم من ذلك واصلت مشواري الفني، وانشغلت بالفن بعيدا عن أي شيء، حتى عدت إلى أسرتي من جديد عندما تزوجت د. فياض، فسامحني والدي، وكان سعيداً لأني تزوجت دكتوراً؛ لأنه كان يكره الفن وأهله ولا يفضله، وفرح أكثر عندما أنجبت ابنتي بوسي «بسنت»، التي كانت أجمل زهرة في بستان حياتي.
لقب ملكة الإغراء الذي تحملينه.. ما الذي يمثله لك؟
دعني أؤكد أنني لم أحب هذا اللقب الذي أطلقه عليّ الإعلامي مفيد فوزي في يوم من الأيام، خاصة عندما تدعي ممثلات العري هذه الأيام أنهن يتخذنني قدوة في الإغراء، فلم أكن في يوم من الأيام أمثل بجسدي ولا بتعرية مفاتني، إنما قدمت الإحساس والدلال والأنوثة في شكلها الحقيقي والطبيعي الذي تظهر به أية امرأة في بيتها، أما كشف المفاتن والتلوي كما الثعابين فلا يمكن أن يكون إغراء، إنما انحلال وإباحية ليس لها علاقة بالإغراء.
خفة الظل من أهم سماتك، فهل لازمتك هذه الصفة داخل الوسط الفني؟
هذا حقيقي.. وكانت خفة دمي تظهر أكثر مع زملائي الذين كنت أحبهم، مثل «رشدي أباظة، شكري سرحان، صلاح ذوالفقار، عماد حمدي»، ومع كل واحد منهم طرائف ومواقف، مثلاً رشدي أباظة كان صديقا ظريفا جدا، وكانت من أهم ذكرياتي معه المقالب التي أقوم بها ضده، فعلى ما أتذكر أني قمت بأكل غدائه وكان عبارة عن «اسكالوب وأرز»، وعندما اكتشف ذلك صرخ في وجهي قائلا «يا جعانة».
أما عماد حمدي فكان «شيك» جداً، يعطي المقلب بهدوء وأناقة، وهذا عندما كنت أحتاج في أحد الأفلام لإجازة فطلب مني أن أتحدث للمخرج، وعندما عرضت على المخرج طلبي رفض، وقال لي أنا «هيتخرب بيتي»، فرد عليه عماد خلاص اخصمه من مرتبها وفلوسها إحنا ذنبنا إيه؟
أما شكري سرحان فكان رزيناً، وكما يقولون «واخد الحياة جد»، بينما صلاح ذوالفقار كان دمه خفيف جدا. كذلك أحترم فريد شوقي وأقدره، لأنه فنان الشعب مائة بالمائة عن جدارة، وصاحب جماهيرية عريضة بدليل أن الجمهور يلقبه بملك الترسو، ومن أفضل أفلامي معه «الرجل العازب»، الذي يعبر عن بنت البلد الجدعة، كان فنانا جميلاً ومتواضعاً.
كثيرون لا يعرفون هند رستم ست البيت ، فماذا تقولين عنها؟
هند رستم ست بيت عادية جدا، أشرف على القائمين على الطعام، وأعرف أعمل بعض الأكلات مثل المسقعة والفتة والملوخية بشكل مختلف تماما عن أي حد، وعندي هواية يعرفها الجميع أني أمتلك ما يقرب من 400 أو 500 لعبة في غرفة نومي، لدرجة أن زوجي ـ رحمه الله ـ يقول لي مش ممكن دي تكون حجرة واحدة كبيرة، وذلك لأنني أعشق منذ الصغر الهدايا، وأقول لأصحابي لا تهدون لي أي شيء سوى اللعب.
أرى مكتبتك عامرة أيضا بالذكريات.
مكتبتي تحمل رائحة طفولتي، وفيها العديد من المؤلفات للكاتب «إحسان عبد القدوس»، ويعود حبي وعشقي لكتبه لأشياء مهمة حدثت في حياتي، وكانت والدته تحرص على مشاهدة أفلامي السينمائية، وهناك جزء من مكتبتي مخصص لعباس محمود العقاد، ويوسف السباعي وأيضا نجيب محفوظ صاحب نوبل، فكنت مبهورة من صغري به، وجاء لزيارتي بنفسه، ولم أتوقع هذا في يوم من الأيام.
ما رأيك في الممثلات الجدد؟
أفضل «منة شلبي» وأتوقع لها مستقبلاً جيداً، وأنا عادة لا أذهب للسينما إلا لشخصين فقط يمثلان السينما بالنسبة لي هما الراحل يوسف شاهين وعادل إمام، ولا أفضل الأغاني الشرقية نهائياً عدا أم كلثوم.
كيف ترين نفسك الآن والمجتمع ، وما علاقتك بالسياسة والرياضة؟
أشبه نفسي بالبحر المالح الهائج الذي ينزل على الفاضي لأني عصبية جدا، وأكثر صفة أكرهها الكذب، وعندما أخطئ أقول إنني أخطأت، وأقول إن هند مش من السهل تضحك إلا إذا كان الموقف يستحق ذلك، ولوني المفضل الأحمر، وحياتي لم تتغير، وأنا أحب وأحرص على احترام الكبير والتمسك بالمبادئ والقيم، وأما المجتمع الآن فأجد فيه ما لا يسر، فهناك البنات والشيشة، والمخدرات كارثة بعينها، أما عن الرياضة لا أتعامل معها بطريقة جنونية، ولكني زملكاوية وأحب أبوتريكة جدا على الرغم من أنه يلعب للأهلي، كما أنني أكره السياسة ولا أحب الحديث فيها، لكنني معجبة بشخصية الرئيس السادات.
زووم إن
ولدت هند رستم في حي محرم بك بمدينة الإسكندرية العام 1931م، اسمها الحقيقي هند حسين مراد رستم، درست بمدرسة «سان فانسان دي بول». بدأت مشوارها الفني عندما جاءت إلى القاهرة، واتجهت إلى شركة الأفلام المتحدة العام 1946، وأسند إليها دور صغير في فيلم «أزهار وأشواك» مع الفنان يحيى شاهين.
توالت بعد ذلك الأدوار الصغيرة إلى أن التقت بالمخرج «حسن رضا» الذي تزوجت منه وأنجبت ابنتها «بسنت» فانطلقت في السينما، وعلى يد المخرج المتألق حسن الإمام صارت هند رستم أشهر وأهم نجمه إغراء في السينما المصرية، وأطلق عليها لقب «مارلين مونرو الشرق» ولقب «ملكة الإغراء». كما حصدت العديد من الجوائز عن أفلامها المتميزة، وأهمها فيلم «الجبان والحب» الذي قامت بتمثيله العام 1975، كما كرمتها أكثر من مؤسسة. وفي أواخر السبعينات قررت الاعتزال بعد أن تزوجت من الطبيب المعروف د. محمد فياض.
القاهرة - (دار الإعلام العربية)


