لم ينجح طوفان العصرنة، واجتياحات الحداثة، وإغواءات التقنية الثورية، في النيل من عزيمة هذا الرجل وإصراره على مواصلة رحلته الممتدة لأكثر من 40 عاما في التنقيب عن جماليات الأجداد وإبداعاتهم التي يصفها بأنها لا تقدر بثمن..

لذلك لا تكاد تجد في بيته مكانا خاليا من تابلوهات فنية تعود إلى مئات السنين لكبار الفنانين، أو أنتيكات متنوعة الأشكال والألوان والأحجام والأغراض، موجزا هوايته بأنها البحث عن إبداعات السابقين واقتنائها للأجيال التي جرفها طوفان الحداثة حتى أنساهم مجد وإبداع أجدادهم، وهذه هي المهمة التي نذر المصري «حسن عزب» نفسه وجهده ووقته وماله من أجلها. بدأت معرفة حسن بفن التابلوهات من خلال والده الذي كان يعمل - فترة العهد الملكي - مع أحد اليهود العارفين بأسرار هذا الفن، وعن ذلك يقول: ظل والدي يعمل ويتعلم من هذا الفنان اليهودي حتى جاءت ثورة 23 يوليو العام 1952 وسافر على أثرها إلى أوروبا بعد أن منح خبراته في هذا المجال لقلة من المصريين على رأسهم والدي.

آنذاك كانت الفرصة سانحة كي يتمتع والدي بشهرة كبيرة، حيث بدأ في تصنيع عدد من التابلوهات وفق ما تعلمه، لكنه لم يصنع سوى القليل منها، فدعم جهوده بشراء أكبر قدر من اللوحات النادرة والثمينة التي تركها اليهود بعد مغادرتهم مصر، وبذلك استطاع والدي جمع عدد كبير من أفضل التحف الفنية وأندرها والتي ـ لو تحدثنا عنها فلا يكفي الكلام لسردها أو وصفها أو ذكر رساميها الذين أخرجوا هذا الإبداع الذي يصعب وصفه. يؤكد حسن أنه عندما غادر اليهود مصر شهد هذا الفن ركودا، حيث توقفت حركة الإنتاج ولم يبق من هذه الإبداعات إلا القليل النادر الذي كان يحتفظ به اليهود بعيدا عن أعين المصريين، غير أن هذا القليل بعد الكشف عنه جعل مصر في تلك الفترة من أهم دول العالم في فن التابلوهات، والتي كانت بمثابة (تحف) مصنعة بإمكانات بدائية ويدوية.

ورغم الدور الذي قام به اليهود المقيمون في مصر فترة العصر الملكي في نشر وتعليم أسرار هذا الفن، إلا أنهم ـ اليهود ـ لم يكونوا سبب معرفة مصر بهذا الفن بل عرفه المصريون عن طريق الثورة الفرنسية التي جلبت معها فنانين كثيرين وأيضا أدوات ومطابع ادخلوها مصر، ومن بين هؤلاء الفنان «ديفيد روبر» الذي صمم كتاب «وصف مصر»، وشارك في إعداده عدد كبير من الفنانين، حتى أصبح هذا الكتاب ثروة لا تقدر بثمن حيث جمع الكثير من فنون الشعوب، واستفاد منه الفنانون واقتبسوا منه وتعلموا الفن الحقيقي حتى بعد خروج الفرنسيين والإنجليز من مصر.

تحف فنية نادرة

يمتلك حسن اليوم تحفاً عديدة نادرة، منها ما يصل عمره إلى أكثر من 100 سنة وغيرها الذي تعدى الـ 80 سنة، وهذه التحف الفنية، كما يقول، مازال بإمكانها أن تعيش أكثر من هذه السنوات لأن الألوان النباتية المستخدمة فيها لا تمت ولا تنطفئ ولا تبهت مهما طال الزمن.

أسرار التابلوه

ينتقل حسن للحديث عن عشاق ومقتنى التابلوهات قديما: لم يكن يمتلك تلك التحف النادرة والإبداعات الفريدة إلا الملوك والأثرياء، لدرجة أن الفنان قديما بمجرد أن يرسم لوحته يجد إقبالا كبيرا عليه من الأثرياء الموجودين في تلك الفترة، والذين كانوا يتنافسون فيما بينهم على جمع أكبر عدد من تلك التحف النادرة، حتى لو كلفهم ذلك أسعارا باهظة.

ورغم الحال الذي وصل إليه فن التابلوه إلا أن حسن يؤكد أن العمل به يحقق دخلا مجزيا لكن فقط للعارفين بأسرار هذا الفن، ومع ذلك يضيف أن العائد المادي لم يكن السبب الأول لاستكماله مشوار والده، بل إنه أحب هذا الفن منذ الصغر لدرجة يشعر معها بأنه رحالة يبحث عن الجمال ويقتنيه ويقدمه للآخرين، فكثير ما كان يذهب للقصور القديمة لكي يجمع منها ما بها من تحف، وكذلك من المزادات التي تعرض فيها مثل تلك التحف واللوحات النادرة وأحيانا من الخواجات الذين مازالوا يعيشون في مصر باعتبارهم الأكثر امتلاكا لهذه التحف يستطيع حسن، بعد الخبرة الكبيرة التي اكتسبها أن يعرف الفرق جيدا بين التابلوه القديم من الحديث وأيضًا النادر وعمره.

خامات طبيعية

وحول طريقة الفنانين القدامى في إعداد التابلوه، يقول: كان الفنان يجلب الخشب ويشد عليه الشاسيه ويركب القماش عليه بطريقة معينة ثم يبدأ باستخدام السكينة التي كانت في حجم الفرشاة الآن وبعدها يضع الألوان النباتية بواسطة السكين التي كان يستخدمها الفنان لفرد هذه الألوان على القماش.

كان لكل فنان في ذلك الوقت، كما يقول هاوي التابلوهات، لغته التي يتعامل بها مع التابلوه وكل منهم يختلف عن غيره من حيث شكل ونوع السجاد الذي يستغله والقماش سواء التوال أو الأوبيسون وكان منهم من يعتمد على شغل إبره ربع غرزه، وأيضًا من يرسم على الخشب أو النحت أو الحجر.

الرسم بالطباشير

وفيما يتعلق بأندر وأغلب التابلوهات في العالم، قال: هي التي يوجد عليها صورة «ليوناردو دافنشي» ومنها ما رسم عليها بالطباشير وكان هذا النوع من الرسم لا يعيش طويلا لأن الطباشير مع طول الزمن تتعرض ألوانه للمسح أو البهتان، ولذلك توضع التابلوهات المرسومة بالطباشير في حجرات مكيفة لا يدخل إليها الهواء ومغلفة بصندوق من الزجاج وفي درجة حرارة معينة حتى لا تتأثر بأي عوامل خارجية لذلك أصبحت من أغلى وأندر التابلوهات في العالم وهى موجودة حتى الآن.

تابلوهات

تتعدد أنواع التابلوهات عالميا لكن أكثرها انتشارا في مجتمعاتنا الشرقية والأكثر مناسبة لذوق هذه المجتمعات: تابلوهات الأوبيسون: أحجامها كبيرة وغالبا ما تكون ذات طابع فرنسي وتستخدم في معظم الأحيان مع الأثاث الفرنسي. تابلوهات الزيت: هذه التابلوهات يستخدمها عشاق الأثاث المودرن، وغالبا ما تتكون من مناظر طبيعية مثل مناظر الغابات والأشخاص والفواكه.

تابلوهات الجرافيرات: لوحات ترسم بتكنيك معين، وتتراوح ألوانها ما بين الأبيض والأسود، وتشبه الرسومات المرسومة بألوان الفحم، ودائما ما يبحث عنها من يفضلون الأثاث الكلاسيك والمودرن. تابلوهات السيرما: السيرما كلمة تركية، وأشهر أنواعها السيرما التركي والتونسي والهندي والبورمي.. وتتميز السيرما التركي بأنها كلها مشغولة بالخيوط الذهبية وتطريزها غالبا ما يكون للون النبيتي الداكن أو الموف أو البني.

القاهرة ـ وكالة (دار الإعلام العربية)