بمجرد أن أطلت آلة الحرب على غزة من سمائها الملبدة بحسرات وآهات أطفالها ونسائها ورجالها غير المتوقفة منذ عقود، خرجت شعوب العالم تندد وتتضامن، وانهالت الأغنيات الوطنية المتضامنة من كل حدب وصوب، وتأجلت المهرجانات الفنية إلى أجل غير مسمى.
وكعادته كان الفنان الشعبي المصري شعبان عبدالرحيم أول الواصلين إلى أغنية غزة فغنى «غلبت أكتب أغاني مش لاقي كلام يتقال، اللي بيحصل في غزة حرام ده ولا حلال.. قنابل نازلة طالعة على الأرض وعلى البيوت، والدنيا في غزة والعة والناس عمالة تموت.. يا عالم حد يلحق يا عالم حد يحوش، إن شاالله حتى بجزمة زي اللي خدها بوش».عشرات الفنانين العرب ألغوا مهرجانات واحتفالات عديدة تضامناً مع أهل القطاع، وغيرهم ممن غنى في مناسبات أخرى، تبرع بريع حفله لصالح أطفال غزة، وبوصلة التضامن لا تكف عن الإشارة تجاه القطاع المنكوب، فالفنان اللبناني عاصي الحلاني غنى غزة جريحة يا عرب، والفنان العراقي ماجد المهندس سجل موال يا غزة لا تبكي، وكذلك فعلت الفنانة السورية أصالة في أغنية يا قدس، وغيرهم الكثير.
واستنكاراً لما يجري في فلسطين، غنى الفنان اللبناني وليد توفيق فكوا الحصار، ومن مصر أصدر الفنان تامر حسني للمرة الأولى أغنية بعنوان مش عارف أعمل إيه.
أما فنانو الخليج، فكانت لهم مشاركات تضامنية أخرى عديدة، منهم فنان العرب محمد عبده الذي غنى لأطفال غزة، والفنان راشد الماجد، ومن الأردن غنى الفنان طوني قطّان أغنية فلسطين رح ترجع، والقائمة تطول ولا تزال تتوالى.
حسام خوري الشاعر والملحن السوري المقيم في دولة الإمارات، كان واحداً من الأصوات الفنية الصارخة في وجه العدوان الإسرائيلي على غزة، وقد كتب منذ يوم الحرب الأول أغنية الدور على مين، وانتهز الفرصة أخيراً لغنائها إلى جانب المطرب السوري الصاعد رجيه خوري.
وتصويرها على شكل فيديو كليب تضامني مع أهل القطاع، بما يجسد ملامح الموت والقهر والألم والحسرة على وجوه الرجال والنساء والأطفال في قطاع غزة وفلسطين.
الحواس الخمس التقى خوري واطلع على تفاصيل قصيدته التضامنية التي تحولت إلى أغنية وطنية ترثي البطولة وتستنهض المشاعر تجاه قضية المسلمين الأولى، فالأغنية اسمها الدور على مين..؟، وهي باللهجة السورية، وتدور فكرتها حول معاناة شعب فلسطيني لا يزال يقع في دائرة الظلم والقتل والتشريد، منذ العام 1948 وحتى يومنا الحالي.
ويتحدث كاتب كلمات الأغنية وملحنها ومغنيها الفنان حسام خوري عن أن الجميع مل حالة «اللا أمل» التي يعيشها الشعب الفلسطيني، فمنذ إعلان قيام الكيان الصهيوني على أشلاء أهل فلسطين قبل أكثر من 60 عاماً، وإلى اليوم لا يزال الفلسطينيون يبحثون عن البسيط جداً جداً، ولا يجدون من يمنحهم إياه، لكون أن العدو لا يرى غيره على الساحة، وهذا بالتحديد جزء مما ترويه الأغنية في كلماتها الطويلة.
ويستذكر خوري في أغنية الدويتو الوطنية التضامنية، الدول العربية التي عانت بفعل الاحتلال والاضطهاد، بدءاً باحتلال فلسطين وسيناء والجولان ولبنان والعراق، متسائلاً بكرة الدور على مين؟، في إشارة إلى أن العدو الإسرائيلي لا يعرف للوقوف حداً، وهو دائم التعدي على الحقوق العربية، وفي النهاية ترجم نهمه العدواني بمجازر مؤلمة بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
وتحمل الأغنية من وجهة نظر مؤلفها دعوة للشعب العربي بالوعي بما يحيك له العدو الإسرائيلي، وتبرق رسالة سلام الأقوياء، وليس الاستسلام يا نموت بشرف وعز يا نعيش منتصرين، مؤكداً على أن الشعوب العربية تحتاج سلام الأقوياء الذي يعيد الحقوق لأصحابها ويصون الكرامة ويحفظ دماء الأبرياء، وليس السلام الذي يستبيح الأرض والإنسان في كل زمان.
وتؤكد كلمات الأغنية على أن الجرح موجود منذ عقود، والألم والإحساس كذلك موجودان، لكن تبقى الأغنية فرصة للتعبير عن ظروف وليدة تعيد الإنسان العربي إلى عمقه التاريخي، وإلى قضاياه المصيرية، وبالتالي تظل أغنية حسام خوري الجديدة رسالة إنسانية ذات بعد عربي وديني، تضامناً مع شعب يقتل جهاراً نهاراً.
وكأي إنسان عربي أو غيره، تبقى الصورة المصدرة من أرض المحرقة في غزة شاهدة على جرائم تطمرها جرائم، كما يجزم المغنيان حسام وروجيه خوري، حيث مشاهد الأطفال والنساء والشيوخ، تتكرر كل يوم مصبوغة بلون الدم وبطباشير الحرب، وهو ما يستنهض المشاعر للتضامن مع الحق العربي المسلوب، ويدعو إلى احترام واقع المقاومة الشريفة التي تنشد الحرية والهوية الفلسطينية والعربية.
ويعتبر خوري أن الأغنيات الوطنية التي وجدت تضامناً مع أهل غزة تبقى تغرد في سرب وحيد وهو التعبير عن حالة تضامن تلخصها مشاعر إنسانية، إلا أن الأهم في الأغنية أن تحمل في نهاية المطاف رسالة صريحة، فالقضية الفلسطينية تحتاج إلى توحيد الصف الفلسطيني أولاً، ينبثق عنه تقارب في الصفوف العربية لتكون كلمتنا أقوى في استرجاع الحق المسلوب، حيث ان أرض محتلة منذ عقود لا يمكن أن تهدى لأصحابها على طبق من ذهب.
الفنان رجيه خوري شريك حسام في غناء قصيدة الدور على مين، أكد أنه كفنان صاعد كان له أن يبدأ في أغنية غرام، وما أكثر تلك الأغنيات، لكنه تحمس للدخول إلى العالم الفني في أغنية وطنية، من إيمان مطلق لخدمة القضية الفلسطينية التي عانت طويلاً ولا تزال.
وهي أغنية تعبر عن رجولة الفنان العربي وأصالته تجاه قضاياه القومية، وتبقى الأغنية الوطنية مرحلة متقدمة من الأغنيات الفنية الأخرى، التي من الممكن أن تتوفر منها المئات بل الألوف عاطفية وغزلية.
دبي ـ عنان كتانة

