مثل طائر حر حلّق في دنيا الوجود وظلت صورة مكانه الأول تجذبه لنبش ذاكرته؛ هكذا تبدأ رحلة الفنان العراقي صبيح كلش مع عالم التشكيل؛ فهو ابن مملكة الماء التي تأسست في جنوب أرض الرافدين لتنير دروب البشرية المظلمة عبر التاريخ، ورغم اشتغاله على أشكاله الفنية بروح الحداثة والرمز لما هو أبعد من الظاهر؛ إلا أنه بقي مسكوناً بألوان القصب في أهوار ميسان، ليلامس عذابات وحكايا الإنسان العراقي طيلة سبعة آلاف سنة، غير خاضع في الوقت ذاته لشروط وقيود ما يسمى التراث بتفاصيلها التي تحول دون التجديد.
في تجربته الجديدة ومعرضه الذي يحمل عنوان لغة الجسد ويُفتتح مساء اليوم في قاعة قباب في أبوظبي؛ يواصل الفنان صبيح كلش الاشتغال على مساحة واسعة من الأفكار الفلسفية التي تتوغل في أعماق النفس البشرية لتحيل الكائن إلى صورة للوطن والأمكنة وتاريخ من الصراع الوجودي الذي يعيشه الإنسان،. فهو يصور في أدق تفاصيل هندسة الكائن خطوطاً من الغرائبية الممزوجة بالدهشة، وبريشة تعبيرية مغرقة بالحس المرهف مع الألوان، تأتي الرمزية لتضع الجمال في منظور جديد يقوم على إيقاظ المفردات الجمالية من خلال المأساة الإنسانية والاغتراب وذكريات وطن مثخن بالجراح، فهو إبداع يجمع النقائض ليقدمها عبر مقاطع الجسد والحكايات الخفية وراءها.
إن الأدوات التي يستخدمها الناقد المتعمق أو الانطباعي في قراءة أعمال صبيح كلش؛ يجب أن تكون موسوعية وبحجم وعمق هذا الفنان الجميل، ولعل الصعوبة في الكتابة عن أعماله تكمن في عدم إحاطة هذه الكتابة بالفلسفة الفنية وعمق الأفكار التي تحملها مضامين كلش، فأعماله كالبحر يهبك الدرر من كل شاطئ لكن عمقه وغموضه يلقي عليك برهبة للإيغال فيه والسعي لإدراك أعماقه، وربما ستكون الاستعانة بآراء النقاد والكتاب المتخصصين بالفن التشكيلي ممن تابعوا رحلة كلش الفنية منذ البداية- هي الأجدى في محاولة خلق محاورة مع لوحاته التي تبعث على التأمل والوقوف عندها طويلاً.
رغم اشتغال الفنان على منطقة الوطن والغربة ومتاهات الحياة العراقية التي تبدو لغزاً لكثيرين؛ إلا أنه طرحها بصور الدلالات والرموز والإشارات الخفية التي تناسب فلسفة الوجود الرافديني، فكأنك أمام مدرسة تجمع أساليب الفن التشكيلي من الواقعية إلى الرمزية والتعبيرية وعوالم السوريالية.
وفي هذا الصدد يقول الناقد زياد جاسم: لقد استنطق الفنان عبقريته في إحياء الموروث التراث ليحوله رمزاً يتوسط أعماله، ولقد وجد في أسلوبه المتميز هذا وسيلة حقيقية للإبداع، حيث كثف في رسومه المشاهد الدلالية والإيحائية التي استوحاها من مخيلته الغنية بالإشارات، ولو تمعنا في أعماله لوجدنا شخوصه مقطوعة الأجزاء وتكويناته الخيالية كلها خرجت عن المألوف من حيث الطرح والموضوع.
ربما كان تنوع وعمق وجمالية أعمال صبيح كلش الفنية، هي التي دفعت مجموعة من خيرة النقاد العرب لقراءة لوحاته منفردة، وهو أمر تنفرد به أعمال الفنان، حيث يكتب يوسف البادي عن لوحة فجر جديد بقراءة عميقة لهذا العمل، يتبعه فؤاد ميرزا في قراءته الشاعرية شاشة لعرض دراما الروح التي جسّد بها الفنان معاناة الإنسان العراقي أيام النظام البعثي البائد.
وهذا الكاتب والناقد شوكت الربيعي يصف كلش بالفنان الذي لامست لوحاته آلام العراقيين فيقدم سيرة ذاتية للفنان يربطها بسيرته الفنية منذ أيام نزوح عائلة الفنان من حاضرة مملكة ميسان القديمة مدينة العمارة.
ويقول الربيعي في ذلك: لقد أنجز الفنان لوحات تعبيرية حديثة يصعب الاختيار بين أفضلها وأشدها تأثيراً من بين عشرات الأعمال الفنية التي أنتجها بعد عودته لوطنه، لقد عبرت أعماله عن هموم الإنسان وانشغالاته وتطلعاته إلى المستقبل، على الرغم من مواجهة جدران الرعب والمخاوف والحصار والاستلاب، وكأنه كان يتنبأ في مواضيعه التعبيرية بقوة رمزية ستتوغل إلى أعماق المعاناة الإنسانية.. لقد شاهدنا في بعض لوحاته؛ وجوها مرتعبة، مجوفة، مرتابة، مستوحدة، لامست أحزان العراقيين على مدى القرون السالفة.
إن لغة الجسد التي قدمها الفنان صبيح كلش في معرضه الجديد؛ هي نتاج لتراكم خبرة فنية تعود لسبعة آلاف عام -هي عمر حضارة وادي الرافدين- فروح الفنان السومري الأول التي أبدعت جداريات الفن الأولى على وجه الأرض.
وامتدادتها في لوحات الواسطي وفناني الرعيل الأول أمثال: فائق حسن، جواد سليم، إسماعيل الشيخلي، شاكر حسن آل سعيد وعشرات غيرهم من رواد التشكيل العراقي، كل هذا المشهد رغم سعته وتشعبه وعمقه؛ فهي موجودة في لوحات أعطني قلبك وعائلة وقلب محطم وحلم وغيرها من أعمال الفنان العراقي الذي يعتبر ظاهرة فنية لا يمكن تلخيص منجزها بهذه العجالة.
أبوظبي- محمد الأنصاري

