تصحو مع زقزقة العصافير ونداءات باعة الخبز التي تؤذن بافتتاح يوم جديد من الحياة، ويشدو صوت «فيروز» الملائكي يهب مع النسيم: «موعود بعيونك أنا» و«أعطني الناي وغني فالغناء سر الوجود» وتمضي في يومك لتأخذ استراحة محارب عند الظهيرة، فالعربي يحارب لأجل رزقه فهو لا يأتيه كغيره من البشر على ملعقة من ذهب- فترتاح النفس مع صوت عبد الوهاب و«يا مسافر وحدك وفايتني» ليتبعه صوت عراقي ذهبي لناظم الغزالي.
وهو يناجي بشعر أبي فراس الحمداني «أقول وقد ناحت بقربي حمامة أيا جارتا لو تشعرين بحالي»، وحين يلقي الليل بستاره الذي يشابه جدائل الحبيبة، تسكن النفس وتهدأ مع صوت كوكب الشرق أم كلثوم «في ليلة حب حلوة بألف ليلة وليلة»، هذه كانت صورة يوم عربي في زمن مضى، فما هي الصورة اليوم؟.حين نقول إن صورة الغناء والذوق العربي قد اختلفت هذه الأيام كالفارق «بين الثرى والثريا» فإننا لا نجافي الصواب، فأين «الأطلال» من «بوس الواوا» وأين «قل للمليحة بالخمار الأسود» من «أركب الحنطور واتحنطر.. شيه» فما الذي أصاب الغناء. وهل الأمر متعلق بالغناء فقط، أم أن التدهور والانحطاط قد طال كل مفاصل الحياة العربية فصار تدهور الغناء والفن جزءًا منها، في تطور مرحلي بديهي، لعدم انفصاله عن الحالة العامة، أم أن الخلل يكمن في من ينتقد أغاني العصر الحديث.
وأن عدم تقبله لها هو جزء من عدم تقبله لحالة التطور والتجديد التي انطلقت منها ذات الأصوات: أم كلثوم، ناظم الغزالي، فيروز، صباح فخري، عبد الحليم، وعشرات غيرهم من مطربي ذلك الزمن، كصورة طبيعية لتطور المشهد الفني كما يدعي بعض المدافعين عن الفن الغنائي المعاصر.
مخاطبة الغرائز
يرى أغلب المختصين في الساحة الفنية العربية أن تدني مقاييس ذوق المتلقي العربي للفن أسهم بصورة أو بأخرى في شيوع لون غنائي هابط، وفي ذلك يقول الكاتب السعودي تركي البسام في مقارنة بين الذائقة العربية قديماً وحديثاً: كان الغناء قديما مكافأة حقيقية للنفس وترفا لها لأنه يأخذها لأماكن أكثر رحابة.
وأجمل ألوانا، كان يمثل المرآة الحقيقية للوضع الاجتماعي والصانع الأول للأحلام، وكان المنشط الأول للحواس، فكنت تستطيع مع سماع أغنية أن تشم رائحة العود والبخور، وأن تسافر وتركب البحار وتسمع زقزقة العصافير.
وتلمس هواك وقلبك بيدك وتتحسس جرحك وتطبب نفسك بأغنية وأيضا «تعلها» بأخرى، وكان سيد الحواس «التذوق» يقظا مستطعما لها ومتعايشا معها، كيف لا، وهي الأغاني المرتبطة بزواج الأماني والمعاني وكل الأشياء التي تفرح وتجرح في آن واحد، أما اليوم فقد كُسرت المرآة واختذلت جميع الحواس في «العين» فقط وخلعت الأغاني الأماني فلم تعد أبجدية الغناء المبتذل تستوعبها.
وأصبح المنادي بالمشاعر تقليديا ورجعيا وغير مواكب «للابتذال» لأن البخور استُبدل بالأزياء، ولا ندري وكل شيء تغير وأيضا لا ندري، وللإنصاف هناك قلة قليلة من المطربين الحقيقيين، ما زالوا مثلنا لا يدرون أن هناك عصراً جديدا اسمه «الواوا».
لكن الحقيقة تبقى أكثر من ذلك، فالغناء ليس حلقة منفصلة عن غيرها من النتاج الاجتماعي لأي أمة، من الأمم، فهو مرتبط بالأدب والشعر والواقع الاجتماعي والفكري والسياسي والاقتصادي بصورة أو بأخرى، فحين نقول «أم كلثوم» نعني أيضاً «أحمد رامي» و«بيرم التونسي» شعراً و«رياض السنباطي» ومحمد عبد الوهاب لحناً، و«نجيب محفوظ» و«العقاد» رديفاً أدبياً لتلك الظاهرة الغنائية الفذة.
وأيام «عبد الناصر» كعصر مميز، فهل ظهرت أسماء في الفن والأدب والسياسة والفكر كتلك الأسماء في عصرنا الحالي، نقولها بالقلم العريض «كلا»، وهذا يحيلنا إلى التساؤل: هل يعتمد الغناء على المطرب وحده، وهذا ظلم كبير للحالة الفنية، فالفن هو مطرب وملحن وشاعر وجمهور وذائقة عامة.
مجاملات نقدية
يتفق الملحن العراقي إسماعيل العوضي مع هذا الرأي حين يقول: لقد أسهمت عدة عوامل في تردي وتدهور الفن الغنائي العربي حتى وصل إلى الحضيض، ولعل أبرز هذه العوامل ما يتصل بالتدهور الأدبي في المشهد الثقافي برمته،.
وعدم ظهور قامات شعرية غنائية حقيقية أو ملحنين قادرين على مجاراة المحلنين العرب القدامى، فظهرت حالة من الاستسهال في طرح الأغاني الهابطة، شجعها على ذلك تدهور كبير في الذائقة الجماهيرية العربية، فثقافة الأذن الموسيقية غابت عن أجيال عربية كاملة، باتت على أثرها تتقبل كلمات من الأغاني الهابطة.
وأصبحت «العين» التي ترسل إشارات غرائزية هي الحكم الوحيد على شهرة المطرب أو المطربة وانتشارهم، كما أن تراجع النقد الفني الحقيقي، فتح الباب واسعاً لأشباه النقاد والكتاب ليدعموا هذا الصوت النشاز أو ذاك، لحسابات خاصة لا تتعلق بقيمة فنية أو غيرها مما يتشدقون به آناء الليل وأطراف النهار.
نعم إنه «عصر- الواوا» و«ظاهرة- الحنطور» و«زمن- حط النقط على الحروف قبل ما نطلع سوا على الروف»، وهذا لا يعني أن نتاج الغناء العربي قديماً لم يقدم أعمالاً هابطة، ف«شبشب الهنا» وغيرها ما زالت في سجل أغاني ذلك الزمن، إلا أنها لا تمثل ظاهرة كما هي حال الغناء اليوم.
أبو ظبي- محمد الأنصاري:

