من العلامات الفارقة للحرب الأخيرة على غزة أنها جمعت شتات قوى متعددة، وقربت المسافات بين تيارات ليست فقط سياسية بل وثقافية وإبداعية أيضا. وتحت خيمة الصدمة والغضب من الدمار الذي لحق بغزة، اجتمع نحاتون وفنانون تشكيليون ليرسموا موقفهم مما رأوه على مدار اثنين وعشرين لونا من الإبادة.

وليضعوا نقاط اللون على حروف فنهم الذي طالما اتهم بالعزلة في علياء المعارض، أو بالاختباء في مختبرات التجريب الخاوية. فقد شهدت الساحة التشكيلية الأردنية خلال العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة عددا من الفعاليات الفنية التي جاءت ضمن اتجاهين، الأول لدعم صمود غزة من خلال رصد ريع الأعمال المباعة و تحويلها للمساعدة المباشرة، و الاتجاه الآخر - لا يقل أهمية عن الاتجاه الأول - وهو فضح جرائم اسرائيل وسياساتها.أنجز الفنانون المشاركون في الورشة الفنية الدولية التي نظمتها الشعبة المعمارية في نقابة المهندسين الأردنيين جدارية الصمود .

وكان التعبير والرمز واللون هي ادوات الفنان في فضح ممارسات العدوان الاسرائيلي فقد استمد الفنانون من تاريخ اسرائيل الأسود الملطخ بالجرائم مادة ثرية، استند اليها الفنانون وكان الصمود الفلسطيني والتراث الشعبي وأصالة الإنسان والتاريخ ونبل الرسالة مفردات أخرى ضد صورة العدوان والغطرسة الصهيونية .

ينتظر ان تجول الجدارية الضخمة بمواضيعها المختلفة الدول العربية والأجنبية المختلفة وسيتم عرضها ضمن فعاليات الحملة الأهلية للقدس عاصمة الثقافة العربية لهذا العام، لتكون رسالة الفنان التشكيلي ورؤاه عن المجزرة التي ارتكبتها اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني في غزة ، وهي تكشف تعبيراتهم الفطرية و الصادقة عن بشاعة الجريمة التي ارتكبت في غزة.

شهادة بصرية

تمثل الجدارية بشكل عام جزءا من نضال الفنان التشكيلي صاحب الرسالة وصاحب المشروع البصري و الذي يعري كل اشكال الظلم والألم، وهو الذي طالما وظف ريشته وألوانه في سبيل البشرية وفضح مشروع إهانة الإنسانية ، وهو لم يتوانَ يوما عن تسجيل الحدث بصدق وبشحنة عالية من التعبير .

وتكاد تكون الساحة الأردنية الوحيدة التي نظمت ورشة دولية للفنون والتي نظمتها نقابة المهندسين الأردنيين والتي اشهرت في مجمع النقابات بمشاركة نحو 30 فنانا وفنانة من مختلف انحاء العالم .

وكانت الحدث الفني الابرز ، كون الورشة شكلت حالة من الحراك الفني بين عشرات الفنانين ووسائل الاعلام المرئية و المسموعة و المكتوبة، التي نقلت رؤية الفنانين المناهضة للحرب و الدمار و القتل المجاني للانسانية في غزة .

شارك في جدارية الصمود الفنانون علا حجازي من السعودية، وعباس يوسف من البحرين، وأشلي أشفورد من بريطانيا، وعصام درويش وحمود شنتوت من سورية، وتمام الأكحل ورنا بشارة من فلسطين، وفؤاد جوهر، ونور جوهر، وعادل قديح من لبنان، وجاكلين تيلر من أميركا، ومحمد منصور من مصر، وفليز سوياك من تركيا، وتمارا النوري، وابراهيم العبدلي، وسعيد شنين من العراق، وتاج السر أحمد من السودان، ومها المنصور من الكويت ومبارك بوحشيشي من المغرب.

ومن الأردن شارك الفنانون مهنا الدرة، ونصر عبدالعزيز، ومحمد الجالوس، ومحمد نصرالله، وعلي الغول، وخيري حرز الله، ونعمت الناصر، وهيلدا حياري، وجمال الجقة، ورزق عبدالهادي، ومحمود صادق، وفاروق لمبز، وعصام طنطاوي، وعلي ماهر و ساميه الزرو .

انتصار بالفن

وافتتح أمين عام وزارة الثقافة الأردنية الشاعر جريس سماوي معرض رابطة الفنانين التشكيليين في صالة فخر النساء زيد، في المركز الثقافي الملكي والتي حشدت مشاركة واسعة أردنية وعربية، وشارك في المعرض الذي حمل عنوان أغيثوا غزة لتبقى العزة نخبة من الفنانين التشكيليين الأردنيين ، سماوي قال: ان هذا المعرض الجماعي التضامني مع جراحات غزة يمثل انتصارا لإرادة الانسان ممثلة بالاعمال الفنية وأرواح الفنانين ورفضها للقتل والظلم على الكوكب، وإشارة ايضا إلى الانسانية في النهاية انها هي المنتصرة والفن والابداع ايضا هما المنتصران.

ويعرض الآن عدد من الصالات الفنية مجموعاتها الخاصة، والتي رصدت أيضا ريعها لدعم جهود الإغاثة في غزة ومن الصالات: زاره في فندق حياة عمان و الأورفلي والإندى والذي يضمن مشاركات للفنانين قيس السندي وساميه الزرو وعلي التاجر وتيسير بركات و تامر داوود وعبد الحي مسلمِ و محمد أبو زريق، ونبيل شحادة وبدر محاسنة وعبد القادر بخيت، وعبد الرءوف شمعون ومحمد أبو عزيز وعماد الطائي و حيدر المحرابي و محمد نصر الله وستار درويش وهيلدا حياري.

وتقول ماجدولين الغول مديرة دار الأندى: استجاب الفنانون التشكيليون في الاردن لنداء الواجب الوطني والقومي والانساني، وسارعوا إلى المشاركة في معارض وجداريات وتظاهرات ثقافية وفنية. وكان الهدف من وراء ذلك التعبير عن المساهمة والتنديد بما تقترفه اسرائيل، من جرائم ومجازر بحق المدنيين والبنية التحتية والمستشفيات والمدارس والمساجد والبيوت والمساحات الزراعية، إضافة لقتلها المتعمد لأهل غزة.

كثرة المعارض

وقد لاحظنا خلال العدوان كثرة المعارض وبشكل لافت وتوزعت اللوحات بين التعبير المباشر وغير المباشر عن الاحداث والعدوان. وكان المعرض الذي اقامته دار الاندى بجبل اللويبدة احدى هذه التظاهرات الفنية الداعمة لصمود ابناء غزة. حيث شارك اكثر من 40 فنانا عربيا وأجنبيا في اعمال رُصد ريعها لشراء أدوية ومستلزمات طبية لأطفال غزة.

وأضافت السيدة ماجدولين الغول: الفن قضية إنسانية في الأساس. والرسم معايشة مع الأحداث. كما أن وجود وانتشار الفضائيات ووسائل الاتصال الحديثة ساهم بنقل ومشاهدة ومتابعة ما يجري حولنا من أحداث بشكل سريع ومباشر.

وأضافت: من هنا كان المعرض وكانت مساعدتنا من خلال عدد من الفنانين وسنرصد دخل الأعمال وريعها إلى الهلال الاحمر وأية جهات ومؤسسات توصل ذلك إلى ابناء غزة.

وأكدت ماجدولين الغول ان قرابة 40 فنانا شاركوا في المعرض ضمن هدف سام اطلق عليه الفنان عبد الرؤوف شمعون ـ وهو احد المشاركين ـ سعر علبة دواء. وأشادت بتجاوب الفنانين من مختلف المدارس الفنية ومن العرب والاجانب وحتى دون ان يتم توجيه الدعوة لهم.

وقال عدد منهم ان جرحنا واحد ولابد ان نسهم معا في هذا الواجب وهذه المناسبة بما يتيسر من أعمال. هنا لوحات لفنانين من فرنسا واليمن والعراق وفلسطين والسودان والاردن.

الزائر للمعرض يلاحظ انه يضم لوحات مرسومة مسبقا وليست وليدة الأحداث الأخيرة على غزة. كما أن الأعمال الفنية تعيش حياة جديدة من خلال الرسالة الجمالية التي يبعثها الفنان ضد القتل، وتضامنا مع الشعب الصامد. هذا النشاط وغيره ، يعد ادانة واضحة للقبح الذي ارتكبته اسرائيل ضد الاهل في غزة. فنحن أمام فعل جمالي يدحض القبح الذي شاهدناه عبر الفضائيات.

يذكر ان دار الاندى تأسست عام 98 كمعرض ومركز فني للفنون الجميلة وهو مشروع يهدف إلى جمع الفنون البصرية والسمعية تحت اسم واحد. وتتمثل مساهماتها في هذين النوعين من الفن من خلال إقامة حفلات غنائية وورش عمل وغيرها من المحافل الفنية. وأعيد ترميم المبنى الأصلي الذي أنشئ عام 1992 كما تم بناء مبنى جديد يضم مكتبة للاطفال ومرسما وشقة لمبيت الفنانين الضيوف.

عمان - محمد أبو رحمة