الثوب والمطبخ والمطرزات الفلسطينية أصالة وتراث، لا يعرف الكثيرون أنها معركة أخرى لا تقل أهمية ولا قدرا من الاهتمام بما يدور في معارك المقاومة، إنها معركة ونضال الحفاظ على الهوية الفلسطينية.ولعله من المفارقات التي تستوقف الزائر لمركز التراث الفلسطيني أنه يقع على مقربة من السفارة الإسرائيلية في عمان، وبشكل يستحضر ندية الأضداد التي تحكم العلاقة بين المبنيين.
أما المفارقة الثانية فهي أن المركز يقع في ضاحية الرابية التي تعتبر واحدة من ضواحي عمان الراقية، في حين أن اهتمامه ينصب على احياء تراثيات الحياة في المجتمع الفلسطيني مثل المطبخ الفلسطيني القديم والحفاظ على مكونات طعامه، وعلى اللباس القديم كما طرزته جداتنا عبر تاريخ من الحياة بكل عناصرها وأبعادها.سهام الدباغ مديرة المركز وفي حوار «الحواس الخمس» معها قالت: للتراث أبعاد كثيرة تغطي كافة جوانب الحياة من اللباس إلى الطعام إلى الفن والدبكة وطقوس الزواج والمطبخ.ونحن نرى أن الثياب بالذات هي أعظم تعبير عن ارتباط الإنسان بأرضه، بل هي استلهام مباشر من الأرض، فنحن عندما نقول: هذا ثوب يافا نلاحظ أن ما عليه من رسوم تمثل طبيعة الحياة في يافا. وتضيف سهام الدباغ: أن من بين أبرز أهداف المركز الحفاظ على التراث الفلسطيني وابقائه حيا.
وحاضرا في ذاكرة الناس، بالنظر لما نتج عن الهجرة والحياة في المدن وما طرأ على الحياة من تغيرات بحيث لم تعد غالبية النساء الفلسطينيات يلبسن الثوب القديم أو يجدن تطريزه.وحول الجهد الممنهج الذي يبذله المركز في سبيل ذلك تقول: قمنا منذ البداية بفتح الباب أمام السيدات اللواتي عشن التراث كواقع، لكي يتمكن من القيام بتعليم الصبايا كل ما يعرفنه عن فن وحرفة التطريز والمركز يقدم لهن مخصصات عالية نسبيا بالنظر لأن العمل مجهد، ومكلف، ونحن نرى أن هذا المجال يتيح للسيدات أن يعملن في مجالات لا تتعارض مع التزاماتهن الإجتماعية كربات بيوت وأمهات.
وتضيف: أننا نتيح للسيدة التي تقوم بالتطريز أن تأخذ المشغولات إلى بيتها كي تتمكن من العمل بين أولادها، وقريبا من عائلتها. وهو أمر يتيح لبناتها أن يتعلمن وهكذا تستمر دورة الأجيال في حمل الرسالة وفهم المغزى.وحول النشاطات الأوسع التي يقوم بها المركزتقول: المركز صغير بحجمه لكنه كبير بفعله، فنحن القائمات على المشروع عددنا 45 سيدة من المتطوعات، وقمنا بتوسيع نطاق التجربة لتشمل نواحي متعددة من التراث كالدبكة، واعداد الطعام، وإقامة المعارض، وغاية ما نصبو اليه هو مساعدة أعداد متزايدة من النساء على تحمل أعباء الحياة، إلى جانب ما يحققه نشاطنا من تفاعل اجتماعي وهو نتاج طبيعي للاشتراك في مشروع بهذا العمق والأهمية.
وعن حدود قدرة المركز على احتواء أعداد متزايدة من السيدات تقول السيدة سهام: حاليا لدينا نوعان من السيدات اللواتي يتعاملن مع المركز:
النوع الأول هن العاملات بشكل يومي في المركز والنوع الثاني هو المتطوعات اللواتي يأتين للإسهام في إدارة المركز الذي بات يحتاج إلى هيئة تقوده بالنظر لاتساع أعبائه ومسؤولياته.
وتلفت مديرة مركز التراث الفلسطيني في عمان إلى أنه من بين أعباء المركز الحقيقية هي عملية بيع ما يتم انتاجه، اذ لا يكفي كما ترى أن يقوم المركز بانتاج الأثواب والمطرزات والأطعمة بل لا بد من عملية تسويق منتوجاته بشكل دائم.
وهو أمر استوجب أن يتولى المركز مشروع تطوير المطرزات بحيث لا تقتصر على الثوب والملابس عامة بل تشتمل على تصميم وتطريز الحقائب، والمشغولات التي تتكيف مع متطلبات الحياة الحديثة كأغطية الطاولات، والمحافظ، وبراويز الصور، والشالات.
وتوضح: المطرزات تتنوع في مستواها بحيث يتمكن أكبر عدد ممكن من الناس من اقتنائها بصرف النظر عن امكاناتهم المادية. وهو أمر يتيح للتطريز أن يدخل كل البيوت فتتراوح أسعار ما ننتجه من قطع بين 3 دنانير وألف دينار، إلى جانب التركيز على جودة المطرزات.
وتكشفت سهام الدباغ عن عادة قديمة من العادات الإجتماعية التي كانت سائدة قديما وهي أن المرأة كانت عندما تذهب لتخطب لابنها لم تكن تركز فقط على محاسن الوجه، والقدرة على تحمل أعباء الحياة لدى العروس بل كانت تقلب طرف ثوبها لترى ما إذا كان تطريزه جيدا ونوع غرزته متقنا أم لا!
وبالنظر لأهمية عامل التسويق عبر المعارض التي يقيمها المركز تقول سهام الدباغ:
لدولة الإمارات العربية المتحدة مكانة خاصة ودور بارز في دعم المركز، واقامة المعارض لمنتوجاته، وهناك فضل كبير يدين به المركز لسمو الشيخة فاطمة بنت مبارك في دعم المعارض التي أقامها المركز في أكثر من إمارة، من بينها معرضان كبيران في إمارة أبو ظبي.
ومن بين المواقف التي لا تنسى هو حضور سمو الشيخة فاطمة لافتتاح معرضنا في أبو ظبي عام 2000 الذي كان برعايتها وبحضور عدد كبير من السفراء العرب والأجانب، يوم التفتت سموها لي وقالت: كيف لا أحضر والمعرض من أجل فلسطين.
وبعد أن شاهدت المعروضات قالت سموها: مهما قيل عن جمال هذا المعرض فقد رأيته أجمل.
بقى أن نذكر:
تم انشاء مركز التراث الفلسطيني عام 1991 ومن أهم أهدافه، دعم المرأة الفلسطينية والمحافظة على التراث كأحد مكونات الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني.
محمد ابو رحمة- عمان


