ظلت السينما العربية منذ أكثر من ستين عاما أي منذ بداية الأزمة الفلسطينية ـ وتحديداً بعد حرب 1948 ـ تتناول هذه القضية من منظور تعبئة الشارع العربي وتوثيق الأحداث لتبصير الأجيال المتعاقبة بتاريخ القضية واستمرارها.
وبذلك استمر إنتاج الأفلام عن القضية الفلسطينية حتى نهاية تسعينيات القرن الماضي بقوة شديدة حسب المؤرخين السينمائيين، لكنهم أنفسهم اعترفوا في نفس الوقت بتراجع الإنتاج لمثل هذه الأفلام منذ بداية الألفية الثالثة وحتى الآن لأسباب رأوها موضوعية. يتفق النقاد وصنّاع السينما بداية على أن موضوعات السينما الفلسطينية كانت حاضرة طوال فترات سابقة، وفي ظروف صعبة، بالرغم مما تتطلبه مثل هذه النوعية من الأفلام من تكاليف ضخمة لا يقابلها العائد المطلوب الذي يوفر دعمًا للشركات لمواصلة إنتاج المزيد من هذه الأعمال.وأشار هؤلاء إلى أن حرب 1967 كانت نقطة تدشين مهمة انطلقت منها شركات الإنتاج في إنجاز كثير من الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، خاصة من قبل السينمائيين الشباب الذين مارسوا دورا نضاليا في تناولهم لهذه الأعمال، حيث تعد الفترة من 1967 وحتى نهاية تسعينات القرن الماضي هي أهم فترة تناولت فيها السينما المصرية القضية بشكل مكثف.
وعلى رأس هؤلاء داوود عبد السيد وعلي عبد الخالق وخيري بشارة وغيرهم من شباب المخرجين وقتها الذين تصدوا لهذه الأعمال بقلب مفتوح تجاه هذه القضية.
حيث قدموا أفلام «أغنية على الممر» و«الطوق والأسطوة» و«الأقدار الدامية» و«امرأة هزت عرس مصر» و«القبطان»، كما كان المخرج علي إدريس أكثر جرأة بعدما قدم فيلم «أصحاب ولا بيزنس» الذي تناول الفدائي الذي يفجر نفسه في عملية استشهادية ضد القوات الإسرائيلية.
وكانت المرحلة التي سبقت حرب 1967 قد شهدت أيضا أفلاما كبيرة بشأن القضية الفلسطينية منها «أرض الأبطال» لنيازي مصطفى عام 1953 ـ «الله معنا» لأحمد بدرخان عام 1955 ـ «أرض السلام» لكمال الشيخ عام 1957 ـ «بورسعيد» الذي تناول العدوان الثلاثي وأنتج عام 1957، وهذه نماذج مما قدم خلال فترات مختلفة منذ الخمسينات.
وأشار النقاد والمنتجون إلى أن السينما العربية والمصرية على وجه الخصوص قامت بإسهامات كبيرة في هذا المجال رغم أنهم تحفظوا كثيرا على العديد من المشاكل والعوائق التي تعترض إنتاج مثل هذه الأعمال، وبالرغم من ذلك لم تتوقف السينما عن أداء هذا الدور.
وأكدوا أن إنتاج مثل هذه الأعمال التي تتناول قضية بهذه الحساسية في ظل خلافات عربية متجددة ومتراكمة قد أدى إلى وقوف شركات الإنتاج حائرة لسببين أساسيين، أولهما: عدم وجود ضمانات كافية في ظل هذه الظروف تؤدي إلى السماح لتوزيع هذه الأفلام في البلدان العربية، وقد يكون كل منهم يريدها أن تطرح كل من وجهة نظره.
وثانيهما: الإقبال الجماهيري لمثل هذه الأفلام لا يمكن أن يحقق عائدا ماديا يسمح لشركات الإنتاج باستعادة أموالها للاستمرار في أداء دورها في ظل الإحجام عن مثل هذه الأفلام إذا لم تكن في سياق قضية عاطفية أو اجتماعية.
هذا ما يؤكده الناقد د.رفيق الصبان الذي رأى أن جهات الإنتاج لا تتحمس لإنتاج أفلام عن القضية الفلسطينية، خاصة أنها تحتاج إلى تكاليف عالية وعائدها محفوف بالمخاطر، وأشار إلى أن المشكلة لم تعد الرقابة بل في ضخامة الإنتاج وعزوف جهات الإنتاج الحكومية عن القيام بهذا الدور حتى تأتي الأعمال بالشكل الذي يدفع الجمهور تجاه دور العرض، وطالب الصبان المؤرخين والمتابعين من روائيين وكتّاب سيناريو بالتجديد في البحث والتناول بما يتناسب مع مسيرة القضية الآن، خاصة بعد أحداث غزة الأخيرة.
وبسؤال كتاب السيناريو ومنهم الكاتب محفوظ عبد الرحمن عن أسباب غياب القضية الفلسطينية خلال السنوات الماضية عن السينما المصرية مقارنة بفترات سابقة قال: إن ذلك يرجع إلى تدهور السينما التي لم تعد تنتج أعمالا ضخمة، وتعتمد على الأفلام التجارية.
وأشار إلى أن هناك أسبابا أخرى مثل المحاولات التي جعلت السينمائيين في خانة الانتظار لجهود سياسية لم تثمر مثل كثير من المعاهدات والاتفاقيات التي وقعت وأدت إلى تطمين الشارع العربي بأن القضية حلها قريب، ولم يحدث ذلك ومازالت القضية أكثر تعقيدا.
لكن السيناريست تامر حبيب دافع عن السينما المصرية.. مؤكداً أنها قامت بدورها بشكل معقول مقارنة بظروف الإنتاج لمثل هذه الأعمال، وما يتطلب إنتاجها من تكاليف وضعف العائد منها.
واعتبر حبيب أن القضية حساسة لافتا أن هناك أفلام كثيرة عالجتها بأسلوب غير مباشر، ولكنه اعترف في نفس الوقت بأن السينما لم ترصد موضوعات جادة تتعلق بالقضية الفلسطينية وان كانت قد رصدت عددا من هذه الموضوعات فلم يتم تناوله بالشكل المطلوب.
أما الفنان عزت العلايلي فكان له رأي أكثر صراحة عن السينما التي قال عنها إنها صناعة وتجارة ولديها معايير تحكم حركتها، حيث يريد الشارع أفلاما بعينها مثلما يحدث في أوروبا وأميركا، وهذا أدى إلى بلوغ الأمر إلى حد السخف.
وتساءل العلايلي عن الشارع الذي يسأل عن أفلام تتناول مثل هذه القضايا قائلا: هذا الجمهور نفسه لا يُقبل على مثل هذه الأفلام، وهذا لم يشجع شركات الإنتاج الخوض في إنتاج مثل هذه الأعمال.
فضلا عن ذلك فاحتمالات أن تمنع دول عربية عرض الفيلم في بلادها أمر وارد خاصة مع اختلاف الرؤى حول القضية وطرق معالجتها في تناول القضية الفلسطينية أو أي قضايا عربية أو وطنية، مشيرا إلى أن هذه الأفلام تجد النجاح فقط في المهرجانات، ولذلك لا يمكن لأي جهة إنتاج أن تقوم بإنتاج عمل وهي متأكدة بأنه سيسبب لها خسائر كبيرة.
دعم الدول
الفنان فاروق الفيشاوي طالب بتوفير الدولة دعم كبير لإنتاج أفلام تتناول القضايا القومية والوطنية، خاصة إذا نظرنا إلى ما تنفقه الدولة على جوائز مهرجانات السينما والتليفزيون وعلى مباريات كرة القدم، لأن هذه الأفلام لا يمكن لشركة إنتاج أن توفر إمكانات لتقدم عملاً عن القضية الفلسطينية.
وتضمن أن يغطي العائد منه تكاليفه، خاصة أن هذه الأفلام تقوم على مستوى عالٍ من التقنيات الحديثة والمؤثرات الصوتية وغيرها وهذا لا يتوفر للشركات الإنتاجية هنا في مصر، نظرا لضعف الإمكانات، بالرغم من أن الإسرائيليين ينتجون أعمالاً ضخمة على مستوى الصناعة لخدمة أهدافهم وتؤثر بشكل مباشر على الرأي العام في الغرب، ولذلك على جامعة الدول العربية والحكومة المصرية المساهمة من وقت لآخر لإنتاج مثل هذه الأعمال.
إلى هنا اعتبر الناقد السينمائي محمود قاسم أن الاهتمام بالقضية الفلسطينية في السينما المصرية مازال كبيرا، مؤكدا أن المصريين يؤمنون بهذه القضية منذ حرب العام 1948، وقد وثقت الكثير من الأفلام المصرية هذه الحرب في مرحلتي الخمسينات والستينات من القرن الماضي.
وعن أسباب تراجع هذا الاهتمام خلال السنوات الماضية، قال الناقد السينمائي: ربما اختلفت طرق الطرح حيث نجد هناك كثيرا من الأعمال تركز على تعاطف الشعب مع القضية الفلسطينية والتركيز على عدم التطبيع مع إسرائيل بشكل كبير، كما تقوم على التحريض للشعوب العربية للوقوف مع القضية الفلسطينية ومع الشعب الفلسطيني الذي يعيش محنة حقيقية.
قضية الشعوب
وعلى الرغم من أن الناقد السينمائي أحمد رأفت يرى أن السينما المصرية تطرقت للقضية الفلسطينية من كل الجوانب منذ الاحتلال، وما يتعلق بالأرض والنضال لاستردادها، والحق الفلسطيني الذي يعد حقا لكل العرب، يؤكد رأفت في الوقت ذاته أننا في حاجة إلى أفلام أكثر وأعمق، برغم وجود عدد من الأسباب المنطقية التي تحول دون تقديم ما نأمله.
ويؤكد بهجت أن القضية الفلسطينية ظلت ولاتزال قضية الشعوب العربية، وصناع السينما كانوا أيضا هم الأكثر جدية في إبراز القضية، وقاموا بإنتاج مئات الأفلام منذ النكبة العام 1948 حيث قدمت بعدها فيلم «فتاة من فلسطين» والفيلم تعرض للقضية وإن كان ليس بشكل مباشر،.
ولكن كان لقصته دلالات كثيرة أهمها أن هذه القضية هي قضية الشعوب بنفس القدر للشعب الفلسطيني، كما كان فيلم «أصحاب ولا بيزنس» للمخرج علي إدريس الذي أظهر شخصية جديدة تماما على الشاشة ولها سمات خاصة، وهى تجربة جريئة تعد من أخطر الأفلام التي تم تقديمها في الفترة الأخيرة، وقدمت شخصية الفدائي الذي يقوم بعملية استشهادية ضد العدو الصهيوني.
ومن بين هذه الأفلام أيضا، فيلم «باب الشمس» ليسري نصر الله، فبالرغم من أنه ليس تمويلا مصريا كاملا إلا أنه قدم سردًا تاريخيًا لاستيلاء إسرائيل على فلسطين، وفيلم «القبطان» للمخرج سيد سعيد تناول بدايات القضية.
القاهرة ـ (دار الإعلام العربية)

