الأغاني الوطنية.. المسلسلات والأفلام العربية التي تقفز للذاكرة مع كل مأزق يمر به العرب، وما أكثر مآزقهم، وما اقل حالة الفرح بينهم، يتذكر الجميع تلك الأعمال ويشتاقون لمشاهدتها أو سماع الأغنيات الوطنية على الأقل، ولعل قصائد محمود درويش وسميح القاسم وصوت مارسيل خليفة وخالد الهبر وجوليا بطرس وغيرهم القليل طبعا من أصوات القضية العربية اللبنانية أو الفلسطينية لاتزال مطبوعة في الأذهان وغالبا ما ترددها محطات البث العربية في كل مناسبة تجتاح فيها إسرائيل جنوبي لبنان أو فلسطين من جهاتها الأربع.

والآن مع أحداث غزة بدأت بعض محطات البث تقدم أعمالاً مناسبتية من قبيل فيلم دير ياسين لبرهان علوية وفيلم المتبقي لعلي اكبر داد الذي قدم فيلما امن انتاج إيراني هو الأهم الذي تناول فيه القضية الفلسطينية بشيء من التفصيل، وهناك فيلم الناصر صلاح الدين الذي قدم للمخرج يوسف شاهين.ويبدو ان أم بي سي قد بدأت الإعلان عن عرض مسلسل الاجتياح للمخرج شوقي الماجري الذي حصل على جائزة ايمي الدولية كأفضل عمل درامي، وفي المسرح تبدو الأعمال المسرحية قليلة في تناولها القضية الفلسطينية واللبنانية على حد سواء وفي الذاكرة عرض واقدساه الذي قدمه الفنان القدير محمود ياسين قبل نحو عشرين عاما.

وعلى الرغم من أن القضية الفلسطينية تعد قضية العرب الأولى، ومحطة مفصلية في تاريخ المنطقة العربية، وأنظمة بلدانها، إلا أن حضورها في الدراما التلفزيونية العربية لم يزل حتى الساعة خجولاً من دون أن يمكن الجزم بسبب واحد واضح لعزوف شركات الإنتاج التلفزيوني عن دخول مشاريع فنية لتبينها، بل أن رد شركات الإنتاج الدرامي أسباب هذا العزوف إلى الصعوبة في التسويق يحمل في طياته من الأسئلة المبهمة أكثر مما يحمله من أجوبة..!

لماذا القطيعة؟

لوهلة قد يذهب البعض إلى القول إن القضية الفلسطينية ليست حدثاً تاريخياً وحسب، بل ولطالما تمَّ النظر إليها بوصفها حدثاً سياسياً ربما يحمل شيئاً من الإدانة للأنظمة السياسية العربية، وبالتالي فإن مقاربتها درامياً مغامرة إنتاجية على الأقل.

ومشاكسة لمحرمات الرقابة، قد تفضي بأشرطة المسلسل أو الفيلم إلى سبات دائم في أدراج الرقيب، ويرد أصحاب هذا الرأي مثالاً على ذلك مسلسل «الشتات» الذي شهد مع الإعلان عن بدء عرضه الأول على قناة «المنار» اللبنانية معارضة كبيرة قادتها إسرائيل ووزارة الخارجية الأميركية، سياسياً وإعلامياً، أدت إلى فقدانه فرصة التسويق في المحطات التلفزيونية العربية.

إلا أن رد عزوف الإنتاج الدرامي عن القضية الفلسطينية إلى أسباب مرتبطة بموقف الأنظمة العربية وحسب، يبدو مبالغاً فيه، فتفاصيل ما حدث في نكبة فلسطين لم تزل تنبض حية في ذاكرة مئات الآلاف، على نحو يحفظ للدراما نصوصاً تراجيدكوميدية من العيار الثقيل، وبدون مؤلف، إلا أن ذلك لم يكن كافياً وحده لفضّ حكايتها.

بالتدقيق فيما أنتج من أعمال تصدت بالكامل للقضية الفلسطينية نجد أن معظمها تعود لإنتاج الدراما السورية، وفي ذلك مفارقة مؤلمة، فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الدراما الخليجية هي دراما فتية لم تبلغ بعد سن الرشد الفني، قياسا بالتجربتين المصرية والسورية، يبقى السؤال أين الدراما المصرية العريقة والسورية من قضية العرب الأولى..؟

دراما الثمانينات.. تسجيلية

في سورية بدأ التصدي لتأريخ المشهد الفلسطيني منذ بداية الثمانينات، حين أنجز المخرج هيثم حقي والكاتب الفلسطيني أحمد دحبور مسلسلهما «عز الدين القسام» الذي تناولاً فيه سيرة المجاهد السوري عز الدين القسام (جسد شخصيته الفنان أسعد فضة) الذي غادر مدينة جبلة السورية إلى فلسطين ليقود هناك رجال ثورتها في وجه الاحتلال، بعد أكثر من عشر سنوات على إنتاج »عز الدين القسام» قدّم في العام 1995 الكاتب فواز عيد والمخرج أحمد زاهر سليمان مسلسلهما «نهارات الدفلى» الذي تناول المراحل الأولى من القضية الفلسطينية.

في مرحلة الإنتاج هذه غلب على النصوص الدرامية الطابع التوثيقي-الخطابي الذي تبدو فيه لغة السياسة بارزة، وهي نصوص كتبها فلسطينيون، وتم إنتاجها تلفزيونياً بأموال فلسطينية (دائرة الثقافة والإعلام في منظمة التحرير الفلسطينية) بالتعاون مع تلفزيونات عربية، ثم بدأ القطاع العام الدرامي السوري بتولي مسألة الإنتاج (التلفزيون السوري).

دراما الفلسطينيين.. لا فلسطين

مع ظهور شركات الإنتاج السورية الخاصة دخلت دراما القضية الفلسطينية مرحلة جديدة، تميزت بإنتاجها الضخم، وخروج نصوصها من هاجس التوثيق نحو تقديم حكايات إنسانية عن الفلسطينيين، أكثر مما تتحدث عن القضية الفلسطينية، بينما تبدو الأحداث السياسية بوصفها وثيقة تاريخية يبنى وفقها الواقع الملائم.

. إلا أن ذلك لا يعني كسر الطوق الذي فرض على مثل هذا النوع من الدراما، فظل هذا إنتاج مغامرة تعاني من عدم رواج بين المحطات.. ورغم ذلك أسست أعمال هذه المرحلة بمضمونهما لحالة جديدة من تناول الدراما العربية التلفزيونية للقضية الفلسطينية بمنظار مقبول.

دبي ـ جمال آدم دمشق ـ ماهر منصور