أثار فيلم «دخان بلا نار» الذي بدأ عرضه أخيرا في دور السينما المصرية الكثير من الجدل على الساحة السياسية قبل الفنية، حيث تناول العمل مرحلة سياسية مهمة، شهدت خلالها لبنان خلافات حادة في أوساط الأحزاب والتنظيمات السياسية، وهي المرحلة التي أعقبت اتفاق الطائف الذي أفضى إلى هيمنة سوريا وأميركا على لبنان وأشعلت الصراع بشكل كبير.
وبالرغم من أن الخلافات والجدل حول أي فيلم تكون منحصرة بين النقاد الذين يقومون بتقييم الفيلم كل من وجهة نظره، وغالبا ما يتفقون على المسائل الفنية المتعلقة بالإخراج أو الديكور أو الجوانب الأخرى مثل الإضاءة والأداء وغيرها، لكن «دخان بلا نار» بالتحديد شهد جدلا مختلفا في نوعه من سياسيين وإعلاميين ونقاد، وحتى الجمهور المتابع لهذه الأحداث التي وقعت حديثا.هذا الفيلم المثير للجدل سبق عرضه في مهرجان أبوظبي السينمائي، وهو للمخرج اللبناني سمير حبشي وقام ببطولته خالد النبوي والممثلة اللبنانية سيرين عبدالنور، والممثل اللبناني محمود مبسوط.. فيما تدور أحداث الفيلم حول مخرج مصري وهو خالد النبوي، الذي يسعى لإنجاز فيلم يتناول القمع في العالم العربي.
ويختار مدينة بيروت باعتبارها - حسب رأيه - تتمتع بهامش كبير من الحرية، لكنه يفاجأ أن الأمر لم يكن كما كان يتوقع، ما أدى إلى فشله في كتابة الفيلم بسبب الأوضاع التي تمر بها لبنان خلال تلك الفترة.
وما شهدته من تحكم قوى خارجية في مسارها السياسي؛ وأثناء ذلك يتعرض المخرج لكثير من المشكلات الأمنية، ويكتشف في الوقت نفسه أن هناك الكثيرين ممن التقاهم قد تعرضوا للتعذيب قبل أن يتعرض هو للتعذيب بعد اتهامه بإنشاء خلية إرهابية تابعة لتنظيم القاعدة في بيروت.
هذه الأحداث دفعت البعض لوصف الفيلم بالارتباك السياسي استنادا إلى التعدد السياسي والطائفي الموجود في لبنان والانتماءات والمتغيرات التي حاول المخرج استيعاب أغلب أحداثها دون التركيز على سياق موحد ومتسق في سلسلة الأحداث التي جرت، حسب الظروف وقتها.. لكن المخرج سمير حبشي رد «بأنه من حق أي مبدع أن يطرح أسئلة ويطرح موضوعه حول قضية ما حسب ما يراه هوس، معبرا عن رفضه لأي تدخل خارجي في لبنان.
الواقع والخيال
النقاد من جانبهم رأوا أن المخرج حاول مزج الواقع مع الخيال، وهو أمر غير مقبول، لأن تداخل الواقع مع الحلم يتنافى مع فيلم يقوم أساسا على الحقائق والوثائق التسجيلية لمرحلة سياسية معينة، ولذلك اعتبروا الفيلم ضعيفا دراميا.. وقالوا إن إصرار مخرج العمل على التعبير عن قضايا متعددة أفقد الفيلم أهم مزاياه وهي وحدته، حتى جاء السيناريو قائما على التشتت نتيجة زخم الأحداث التي يتناولها الفيلم.
واتضح أيضا أنه بالرغم من الانتقادات العديدة التي واجهها العمل فإن تفاصيل الفيلم تؤكد اجتهادات لتوظيف مخزون خبرات المخرج وثقافته السياسية على مستوى الأفكار والرؤية البصرية، خاصة وأن الفيلم قدم العديد من المواقف والشخصيات النابعة من روح المكان والموضوع وترتبط دلالتها بأجواء الفيلم.
ورأى النقاد أن الفيلم في بعض المواقف كان يحاول أن يعبر عن الحالة المزدوجة بين المواطن والوطن، ووضح ذلك مثلا في دور شرطي المرور الذي تعمد مخالفة القوانين حيث سمح للسيارات المرور عندما تكون الإشارة حمراء، ويوقفها عندما تكون خضراء، وهذا ما اعتبره العديد من النقاد إشارة للفوضى التي شهدها لبنان في تلك الفترة والتناقضات الطائفية والسياسية كرد فعل طبيعي لقوانين الدولة التي اعتبروها مغتصبة.
انتقادات حادة
وما لفت النظر أن حبشي يعتبر أول مخرج لبناني يتناول قضية لبنان بعد انتهاء الحرب الأهلية العام 1992، ولكن الأحداث أو الطرح الذي قدمه الفيلم واجهته جهات سياسية وإعلامية عديدة بانتقادات حادة من حيث الأحداث والظروف السياسية والأمنية التي صاحبت تلك الفترة، إلا أن سياسيين ونقاد اعتبروا تلك الانتقادات لم تكن انطلاقا من انتماءات سياسية وطائفية بقدر ما كانت تعبر عن اختلافات في الرؤى والتناول وتسلسل الأحداث في العمل.
وكذلك تطرق نقاد ومهتمون إلى جوانب مؤثرة في العمل، حيث اعتبره البعض افتقد عمق الشخصيات والصدق، مشيرين أيضا إلى اختصاره للممارسات الأمنية خلال فترة الوصاية السورية عقب انتهاء الحرب الأهلية.
رقابة ومنع
وكان المخرج قد أكد ردا على تساؤلات حول طرح الفيلم في هذا التوقيت قائلا: لا علاقة له بخروج القوات السورية من لبنان، ولكن في نفس الوقت أكد أنه كان على يقين بأنه سيواجه مشكلات مع الرقابة في لبنان إذا عرض الفيلم قبل 3 سنوات.
وقد واجه الفيلم صراعا طويلا مع الرقابة في مصر التي منعت عرضه في مهرجان القاهرة السينمائي، معللين أن عرضه قد يضر بمصالح مصر مع دول أخرى قبل أن يعرض قبل نهاية العام الماضي بأيام.
وفيما تركز الجدل الذي شهده الفيلم حول دلالات سياسية، باعتباره ينتقد الهيمنة السورية والأميركية على لبنان، رد بطل الفيلم خالد النبوي بأن «دخان بلا نار» لم يكن موجها لدولة بعينها، إنما موجه لكل العالم لأن أحداثا كثيرة مشابهة تحدث لبعض الدول، وهو نفس ما أكده مخرج الفيلم حبشي الذي اتهم الإعلام وبعض السياسيين بأنهم قاموا بتحريف الحقائق وتضخيم الأمور تجاه فيلمه.
الفرصة سانحة
وبالرغم من ندرة عرض أفلام عربية تتنافس مع أفلام مصرية في مصر، إلا أن الأفلام العربية حسب النقاد تلاقي تجاهلا تاما إعلاميا وجماهيريا، ما يؤدي إلى ضعف الإيرادات، وسحبه سريعا من دور العرض، ولكن مازالت الفرصة سانحة أمام هذا الفيلم اللبناني أكثر من غيره ليؤكد إمكانية نجاح الأفلام العربية في دور العرض المصرية، خاصة أن الفيلم من إنتاج شركة مصر العالمية «جابي خوري» وقناة «أي آر تي» الفضائية في أول مشاركة لها في إنتاج فيلم روائي ضمن خطة لأفلام قادمة.
ورأى نقاد أن خوض تجربة طرح قضية حديثة مازالت آثارها قائمة وشخوصها هم أنفسهم في مواقعهم القيادية وتناولها بكل هذه التفاصيل أمر فيه كثير من الجرأة لحساسية القضية وتشابكها وتعقيداتها، وكذلك رغم الاختلافات والانتقادات العنيفة التي واجهها الفيلم.
وما يزال الفيلم يحظي دون غيره بمتابعة إعلامية جيدة بفضل الجدل الذي يثيره، لكن التساؤل: هل هذا الجدل أشبه بـ «دخان بلا نار» كعنوان الفيلم، أم أن العمل يثير بالفعل قضايا حساسة وموضوعات شائكة عن القمع والإرهاب والهيمنة الأميركية والزيف الإعلامي في عالمنا العربي المعاصر؟.
القاهرة - دار الإعلام العربية

