«راتنج» متحجر، نضج في مرحلة ما قبل التاريخ من الأشجار الصنوبرية المنقرضة.. يتدرج لونه من أصفر إلى أصفر داكن، ويوجد إما بأشكال دائرية أو كتل غير منتظمة الشكل، أو كحبوب وقطرات، يبْعث رائحة مقبولة عند فركه باليدين، وعند إحراقه يصدر لهبا لامعا ورائحة زكية..
هذا هو «الكهرمان» الذي حُصل عليه في العصور القديمة من الساحل الجنوبي لبحر البلطيق وجمهورية الدومينيكان، وما يزال إلى الآن، ويوجد أيضاً بكميات صغيرة في صقلية، ورومانيا، وسيبيريا، وجرينلاند، ومينامار، وأستراليا، والولايات المتحدة.وهو الذي يرى كثيرون أنه حجر الحب الذي لونته الأيام وملايين السنيين بعد أن تعرقته أشجار صنوبرية، فلم يكن غريبا أن يقع المصري خالد الوليد حسين محمد في عشق هذه المادة، وأن يصبح هاويا متيما بها، لاسيما أنه ورث هذه الموهبة عن والده وأجداده، فتعلم من والده الكثير حول هذه المهنة التي يؤكد أنها تحتاج إلى خبرة كبيرة جدا.
مشيرا إلى أن والده امتلك بالفعل هذه الموهبة منذ العام 1945، حيث أسس شركة لها العام 1958، وأصبح من أشهر ملاك الكهرمان بجميع أنواعه وأحجامه على مستوى الوطن العربي، موضحا أن والده بدأ في الأصل كخراط لجميع أنواع الأحجار الكريمة، فكان يصنع أشغالاً يدوية .
ويشكل من الحجر الخام فصوصا أو سبحا أو عقودا، وعندما شاهد الكهرمان لم يستطع مقاومة جماله، فترك كل شيء من أجله، وتفرغ كي يتعرف على عالمه المليء بالأسرار والألغاز، وبحث وراءه في كل بلدان العالم كي يجمع منه أكبر كمية موجودة، حتى بات واحدا ممن يمتلكون أندر أنواع الكهرمان في العالم.
استكمل خالد المسيرة بعد والده، بعد أن تعلم منه فنون الخراطة وأنواع الكهرمان وكيفية التمييز بينها، فكان يخرج مع والده ويتعلم منه كيف يقطع الأحجار الكريمة، وكيف يصنع منها شيئا متميزا، مؤكدا أن كل حجر يتحدث عن نفسه قبل تقطعيه، ويدل على ما يصنع منه، سواء كانت سبحة أو عقدا أو حبة أو حلي وغيره.
ولا ينكر خالد أنه بعد تخرجه في كلية التجارة لم يكن حريصاً على مواصلة هواية والده في جمع الكهرمان وصياغته، وأنه حينما دخل هذا المجال كان مضطرا لاستكمال مسيرة والده، غير أنه يؤكد أنه لم تمضِ أيام قليلة من استلامه العمل بطريقة روتينية مملة، حتى وجد نفسه غارقاً حتى أذنيه في حب الكهرمان، ووجد نفسه مدفوعا بآلية نابعة من أعماقه إلى إحياء هذه الهواية ليس تأدية واجب لوالده، وإنما نتيجة عشق داخلي حرك في جوارحه مشاعر لا تختلف كثيرا عن مشاعر الحب من النظرة الأولى إن جاز التشبيه.
الكهرمان، كما يصفه خالد، حجر كريم عبارة عن صمغ نباتي متحجر ينتج عادة من أشجار الصنوبر التي تنمو في أوروبا الشمالية منذ 8 ملايين إلى 50 مليون سنة.
ويشير إلى أن الكهرمان حجر يختلف في لونه حسب عمره والبيئة المتواجد فيها، وأيضا يؤثر عليه ضغط الأرض المدفون بداخلها، وكل منجم به كهرمان يكون له لون معين وشكل مختلف عن غيره، فمنه الشفاف والأصفر الداكن والأبيض والأصفر الفاتح يوجد على حدود بحر البلطيق، وهناك الأبيض الحليبي وهو أندر أنواع الكهرمان، لأنه صافي ويتواجد أيضا في بحر البلطيق وعلى حدود أيرلندا وألمانيا وروسيا.
أيضا هناك كهرمان «الدونيمكان» الأزرق، وهو الوحيد الذي لا يتم تحسينه بالحرارة، أو يعالج بالنفط، كما لا يتم تعقيمه بالأوتوكلاف مثل الكثير من كهرمان دول البلطيق، بالإضافة إلى أن الألوان الزرقاء والخضراء والأرجوانية يمكن رؤيتها بسبب أشعة الشمس فوق البنفسجية.
ويعرف بتنوع الحشرات الأصفورية التي بداخله، ومن أفضل الكهرمان الذي خرج منذ آلاف السنين من ألمانيا، لكن تم وقفه قبل الحروب العالمية الأولى، وبقي منه آخر المجاميع القديمة، بعد ذلك دخلت بولندا وروسيا في التصنيع، ثم لتواتيا الآن.
ويشير إلى أن الكهرمان عرف منذ القدم باستخدامه كحلي للسيدات، ووجد بداخل مقابر الإغريق القدماء في صور عقود يرجع تاريخها إلى 900 سنة قبل الميلاد.
وفي الدولة العثمانية بدأ تصنيعه على هيئة «سبح» في اسطنبول، ونقل بعد ذلك إلى أثرياء مصر قبل الثورة، وبعد ذلك قل كثيرًا في جميع دول العالم، والمجموعة المتداولة حتى الآن هي مجموعة الدولة العثمانية وصمم على غرارها مجاميع جديدة، لكن المجاميع الأصلية أصبحت نادرة جدا.
وقد حاول بعض العلماء تصنيع كهرمان من أصول الكهرمان الأساسية، وذلك في روسيا فقاموا بضغطه ليصبح بودرة، وبدأوا بتصنيع بعض الأشياء منه، لكن هذه المحاولات كانت محدودة الجدوى.
ويؤكد عاشق الكهرمان أن من أندر خامات الكهرمان ما يعرف ب«المنمش» وهو من أغلى الأنواع، لونه أصفر وبه بقع نقاط برتقالية غامقة، و«المغلق» وهو أساسه أبيض حليبي بلون العاج، وثالث نوع هو «الشجري» وهو خليط بين عدة ألوان في نفس القطعة،.
وهناك أيضًا الحجر الأصفر «الماط» والأبيض المعرق، وهناك أيضًا قطع كهرمان نادرة على شكل لفظ الجلالة يرجع عمر صياغتها إلى 100 عام، وأيضًا على شكل قلب ومخ إنسان.
ويشير إلى أنه ليس وحده العاشق للكهرمان، بل يعشقه أيضا علماء الحشرات والجيولوجيا لأنهم يجدون فيه أندر أنواع الحشرات والأشجار المختلفة بكل أجزائها الحية والتي تساعدهم في أبحاثهم، أيضا هناك أكبر هاو للكهرمان في العالم وهو قيصر روسي.
وكان في القرن العاشر الميلادي، فقد كان القصر الذي يمتلكه من الكهرمان، وكل المكونات التي كان يستعملها داخل القصر من الكهرمان، وأيضا غرف القصر كانت مبطنة بأحجار الكهرمان، إلا أن هذا القصر تم تفكيكه وذهب به إلى ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية ووضع بمتحف برلين.
القاهرة ـ «دار الإعلام العربية»

