«فالكيري» فيلم مثير مليء بالمفاجآت حول محاولة اغتيال هتلر، وهو حقيقي، حتى وإن بدت بعض المشاهد مخترعة، فالسرد المنطقي والواقعي لبعض الأمور يؤكد أن ما عرضته الأحداث أقترب بنسبة كبيرة مما حصل بالفعل، فهو يرصد في إيقاع سريع ومحبوك ما فعله عسكريون ألمان حقيقيون حاولوا اغتيال هتلر وإعادة تنظيم الحكومة في العامين 1943 و1944.
والسينما حينما تقترب من الحقيقة، وتغوص في أعماقها، وتزيح الصدأ عن ماضٍ تلوث بفعل العصر المادي، وتتناول بتأن وتركيز ما قدمه البعض من تضحية، فإن ذلك بلا شك إدانة لعقول زرعت الشك والريبة في كل ما هو مطوي في سجلات التاريخ، حبا وأملا في حياة ومستقبل أكثر نبلا وإنسانية.«فالكيري» هو الاسم الشفري لخطة اغتيال «الفوهرر هتلر» في احد المواقع ببرلين، وهو فيلم مهم لأنه يحكي قصة حقيقية عن البطولة الألمانية التي لا يعرفها العديد من الناس خارج ألمانيا، قام بإخراجه بريان سينغر.
ولعب دور البطولة فيه توم كروز مجسدا قصّة الضابط الألماني «كلاوس فون ستوفنبرغ» الذي كان الرأس المدبّر ـ مع مجموعة من الضبّاط النازيين ـ لاغتيال أدولف هتلر خلال الحرب العالمية الثانية في ألمانيا، حيث جرى تحديد موعد تنفيذ الاغتيال ومكانه ذات يوم من العام 1944. وقام جهاز الاستخبارات الألمانية «غستابو» بإحباط المخطّط بعد تنفيذ العملية بقليل، وأدّى إلى إعدام المتآمرين، وعلى رأسهم «ستوفنبرغ» في ساحة «بندلربلوك» حيث أقيم لاحقاً النصب التذكاري للمقاومة الألمانية ضد هتلر، بعد أن تحوّل «ستوفنبرغ» بطلاً قومياً بالنسبة إلى الشعب الألماني.
موضوع الفيلم بسيط تماما، لكن المذهل في الفيلم نسيج سيناريو مشغول بدقة وحب وفهم، ورؤية مخرج اهتم بالتفاصيل الصغيرة، حتى بدت كل لقطة في الفيلم وكأنها وجهة نظر في الحياة، والعلاقات الإنسانية، والفن، والسياسة، والأخلاق، ويكفي جملة الحوار التي ألقاها «شتاوفنبرغ» في النهاية لأحد القادة وهو يعدم مطأطأ الرأس، قائلا له: « ارفع وجهك حتى يتذكروك».
اغتيال هتلر ليس هو القضية، بل القضية هي اكتشاف الذات وما حولك، ولدى سؤاله عن أكثر ما أعجبه في شخصية شتاوفنبرغ، أجاب النجم الأميركي الشهير توم كروز بدون تردد: «شجاعته وشعوره الكبير بالفخر كانا أكثر ما لفت نظري إليه، فهو ضابط ألماني لم يستطع التزام الصمت إزاء ما يحدث حوله، لكن ما جعلني أنبهر به حقيقةً هو أنه كان لديه زوجة وأطفال، فما فعله لم يكن من أجل ألمانيا فقط بل من أجل أسرته أيضا».
وعن مدى معرفته بتاريخ شخصية «كلاوس فون شتاوفنبرغ» التي يجسِّدها ذكر كروز أنه لم يكن يعلم عنها شيئا، لكنه وبعد قراءة السيناريو اهتم بقراءة الكثير من الكتب عن هذا الرجل، الأمر الذي جعله يشعر بأن شتاوفنبرغ شخصية غير عادية ويستحق بالفعل أن يتم تجسيد قصة حياته في فيلم سينمائي، خاصةً وأن شعوب العالم لا تعرف عنه شيئا.
توم كروز من أهم نجوم الأفلام في العالم طوال 25 عاماً، لكن كما يتبين من أدواره الصغيرة الحديثة، ومن اختياره لدور شتاوفنبرغ، نحن أمام رجل يتجه نحو الخمسين، لذلك، فهو ينتقي أدواراً أكثر نضوجاً ووعيا تلائم سنواته الخمس والعشرين المقبلة.
ومن أبرع مشاهد الفيلم سينمائيا محاولات الاغتيال، والتنقل في لقطات سريعة من مكان إلى آخر، مركزا على حالة التصديق وعدم التصديق لموت هتلر وانتهاء فترة النازية، وما أفرزته تلك الحقبة من شخصيات منساقة ومقهورة ومترددة، والتي لولاها لنجح شتاوفنبرغ ومن معه في الإطاحة بهتلر حتى ولو لم يقتل.
ووسط كل هذه الخيوط المتمزقة، التي تعكس الوضع المتردي في ألمانيا خصوصا أن محاولة الاغتيال تلك كانت قبل 9 أشهر من انتحار هتلر، يكشف المخرج بذكاء وسخرية حالة القادة الألمان، وتخبط هتلر وخوفه في أيامه الأخيرة.
مآس متتالية، ولكن بطل الفيلم بذراع واحدة وعين واحدة ويد ينقصها إصبعان، يواصل الحركة والحياة من أجل التخلص من هتلر، وفي ابتسامه ذات مغزى يتلقى رصاصات الإعدام، وكأننا أمام قصيدة سينمائية شديدة العذوبة والجمال عنوانها صرخته التي تنهي الفيلم «تحيا ألمانيا».
ورغم ملاحظات النقاد حول الفيلم الذي تكلف 90 مليون دولار، والتي تركزت في اعتبار فيلم «فالكيري» اعتذارا للنازية، أو انتقاد طاقم التصوير لتصغيره أو إخفائه الصليب المعقوف الذي أصبح من شعارات مساوئ النازية، ومهاجمة تصوير هتلر على أنه «أحمق يتحدث بلكنة بريطانية ويرتدي سترة جميلة».
أو أن خطة الاغتيال لم يتم تبنيها لاعتراضات أخلاقية فقط على النازية، وإنما عندما واجهت ألمانيا السقوط الوشيك، لكن الفيلم يصفعنا بحقيقة أمر وأدهى، أننا كأفراد بسطاء تعودنا أن نردد ما يلقنه لنا الآخرون، وأننا تعودنا أن نعيش تحت الأرض لأن هناك من يمنع عنا الصعود إلى سطح الأرض إلى حيث المعرفة.. والحقيقة.
دبي ـ أسامة عسل


