ورغم كل هذه الصعوبات حاولت السينما بما تملك من تأثير ومؤثرات، تمزيق الأقنعة الكثيفة، والستائر الخرسانية، متحدية كل المحظورات والتهديدات للوصول إلى قلب الحقيقة أو الاقتراب منها إلى أقصى حد.
ولم تكن رحلة تلك السينما سهلة، بل كانت على العكس ضد التيار، وشديدة الإرهاق والمعاناة، نجحت أحيانا في أن تعلن الحقيقة بوضوح وجرأة، ولم تتمكن في أحايين أخرى إلا من الإشارة والرمز، ورغم كل هذا يكفي أنها حاولت.وقد أصبح ـ في زماننا هذا ـ شرف المحاولة أفضل ألف مرة من العجز والاستسلام، وإغماض العيون.وفى الوقت الذي تشتد فيه المأساة الفلسطينية ويتزايد ضحايا الحرب الإسرائيلية على غزة يوماً بعد يوم، تقف السينما العالمية موقف المتفرج من القضية الفلسطينية، في حين قدمت أفلاماً قليلة جداً أغلب صناعها من أصول عربية وتحديداً فلسطينية، قدموا القضية من زوايا مختلفة ووفقاً لوجهات نظرهم، منها «المر والرمان» لنجوى نجار، و«ملح هذا البحر» لآن ماري جاسر، و«عيد ميلاد ليلي» لرشيد مشهراوي، وقبلهم كان فيلم «الجنة الآن» لهاني أبو أسعد، الذي تناول العمليات الاستشهادية في الأراضي المحتلة.
ورغم النجاح الفني الذي حققه «الجنة الآن» لدرجة حصوله على جائزة «غولدن غلوب» كأفضل فيلم ناطق بلغة أجنبية لعام 2006، وترشيحه للأوسكار كأفضل فيلم أجنبي، فإن القضية الفلسطينية لم تعرف طريقها بعد للسينما العالمية، ولم يلتفت صناعها إلى ما يحدث على أرض فلسطين من مآسٍ ومجازر تستحق أن تروى عبر السينما الأكثر قدرة على الوصول والتأثير في الرأي العام العالمي.
ومع غياب القضية الفلسطينية عن أجندة صناع السينما في العالم، تركز إسرائيل دائما علي قضيتها القديمة «الهولوكوست» أو المحرقة اليهودية التي تمت علي أيدي النازيين أثناء الحرب العالمية الثانية، ولكم أن تتخيلوا كم الأفلام العالمية الكبرى التي أنتجتها إسرائيل خصيصا لهذه القضية، والتي من أشهرها أفلام المخرج الأميركي الكبير ستيفين سبيلبرغ التي أخرجها وأنتجها هو الآخر خصيصا بحكم يهوديته وهي قائمة شيندلر1 و2 وآخرها كان فيلم «ميونخ».
وها هي إسرائيل ورغم انشغالها تنتج دفعة جديدة من هذه النوعية لتقدمها هدية للعام الجديد والتي تدور في فلك الموضوع نفسه، أربعة أفلام عن النازية حمل كل منها لافتة «مأخوذ عن أحداث حقيقية»، أحد هذه الأفلام يتناول ممارسات النازية الألمانية ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، والثاني عن محاولة اغتيال قائد النازية أدولف هتلر على يد زعيم المقاومة بالجيش الألماني.
والثالث يرصد كفاح اليهود ضد هتلر والجيش الألماني، والرابع فيلم رعب يشير إلى محارق «الهولوكوست» التي ارتكبها النازيون ضد اليهود، والتي تذرع بها اليهود للمطالبة بوطن قومي في فلسطين، وتعويضهم عما حدث لهم بـ «الهولوكوست»، وذلك بالرغم من تقليل الكثير من المراجع التاريخية من اليهود أنفسهم من أعداد الضحايا التي تم الإعلان عنها.
في فيلم «فالكيرى» الذي أنتجه ويلعب بطولته الممثل الأميركي توم كروز وهو يعرض حالياً في صالات السينما المحلية وعدد من دول العالم محققاً نجاحاً فنياً وجماهيرياً كبيراً، حيث تجاوزت إيراداته في أميركا 80 مليون دولار حتى الآن، يجسد كروز دور الكولونيل الألماني كلاوس فون ستوفنبرغ الذي يقود خطة لاغتيال هتلر، ويرصد الفيلم الساعات العصيبة التي يقضيها الكولونيل وزملاؤه لتدبير المؤامرة، في حين يرصد فيلم «التحدي» جهود ثلاثة أشقاء يهود يجسد أدوارهم «دانييل كريغ» و»ليف شريبر» و«جيمى بل» يقاومون الجيش الألماني في غابات بيلاروسيا.
«جيد» فيلم آخر عن النازية واليهود أخرجه إد زويك، ويلعب بطولته فييجو مورتينسون والذي يجسد دور «أستاذ أدب ألمانى» يروج عبر مؤلفاته للنازية، ويرصد الفيلم علاقته بصديقه اليهودي، ويجسد دوره جيسون إيزاك.
ورغم أنه فيلم رعب فإن «لم يولد بعد» الذي يلعب بطولته جارى أولدمان وأوديت يوستمان، يشير إلى محرقة «الهولوكوست»، بينما تدور أحداثه حول «كاسى» التي تركتها والدتها في صغرها وتنتابها أحلام يقظة مرعبة وتلجأ إلى شخص يدعى «رابى» ليخلصها من معاناتها.
إذن، يجب الاعتراف أنه ليس بالاحتجاج والإدانة والشجب يمكن أن نضع نهاية للحرب الوحشية على غزة، ولكن بأن تدخل السينما ـ بكل ما تملك في المعركة الدائرة.. لتفضح أساليب القهر والتسلط والإرهاب، وتقاوم أي عبث بحق الإنسان في حياة عادلة وأحلام ممكنة، وبقدر قوة الرفض، تأتي صلابة المقاومة، وإشراقة الأمل، هذه حقيقة لا بد أن نلمسها في كل جوانب الحياة من حولنا، وهي حقيقة تتجسد بوضوح في فن السينما.
دبي ـ أسامة عسل

