شهدت السينما المصرية خلال السنوات الأخيرة أعمالاً عديدة تتعلق بقضية الوحدة الوطنية التي ناقشت خلالها «الفتنة الطائفية» في ظل حالة الاحتقان بين المسلمين والمسيحيين، والتي لا يستطيع أحد أن ينكر خطورتها رغم محدوديتها باعتبارها حالات فردية تحدث بين الحين والآخر.
وبالرغم من أن قضية الفتنة الطائفية جديدة لم تكن موجودة من قبل، إلا أن هناك إجماعا على ضرورة معالجتها من جذورها، ومن هنا كان للسينما دور مهم كإحدى الوسائل الثقافية المؤثرة في أي مجتمع، حيث تعرضت لهذه القضية الشائكة، بهدف علاجها والوقوف على الأسباب التي أدت إلى ظهور مثل هذا الاحتقان، لكن التساؤل: هل نجحت السينما في التطرق لجذور مأزق الوحدة الوطنية أم كان التناول سطحيا واستثمارا لأحداث شائكة؟
من أحدث الأفلام التي رصدت هذه القضية الشائكة، فيلم «كابتن هيما» الذي عرض في بداية صيف 2008، ومن قبله جسد الفيلم السينمائي «فيلم هندي» هذه العلاقة التي جمعت الفنان أحمد آدم الذي قام بدور المسلم، والفنان صلاح عبد الله الذي جسد شخصية القبطي، وجمعتهما علاقة طيبة في أحداث الفيلم الذي قص عن نشأتهما سويا في حي واحد، وهو حي شبرا، الأكثر ازدحاما بالأقباط في مصر، واستطاعا عمل قصة جذبت الكثيرين لإنتاج مثل هذه النوعية من الأفلام الجيدة والهادفة.
ويعتبر فيلم «حسن ومرقص» أحد أهم الأفلام التي تعرضت لهذه القضية بتمعن شديد وتفاصيل أكثر، إلى جانب معالجته لقضية الطائفية في مصر بخفة شديدة، رغم جرأته في التطرق المباشر إلى هذا الموضوع وتعرية الازدواجية التي تحملها الشخصية المصرية تجاه هذه المسألة.. ورغم الخفة التي تناول بها الفيلم قضية بمثل هذه الحساسية، حيث يرى نقاد سينمائيون أن الفيلم لم يتعمق في جذور القضية لمناقشة مأزق الوحدة الوطنية سياسيا واقتصاديا وتاريخيا وأمنيا.
وأشاروا إلى أن العمل تفادى المعالجة العميقة لمثل هذه القضية، واكتفى ببعض مظاهرها، وكأن الفيلم أراد أن يقول بشكل مباشر «إنك لو لم تعرف ديانة الآخر لأحببته، أي أن المسلم يحب المسلم ويتعامل معه والمسيحي يحب المسيحي ويتعامل معه»، وهذا المنطق مثل صلب سيناريو الفيلم، حيث جعل من عادل إمام المسيحي «في الفيلم» مسلما ومن عمر الشريف المسلم مسيحيا، ضمن المنطق الدرامي للفيلم بقرار من أمن الدولة إثر تعرض كل منهما لعمل إرهابي».
وهذا الخلط المتعمد بتغيير ديانة كل من بطلي الفيلم جاء ضمن سياق عرض أحد مظاهر الأزمة، ولكنه لم يقترب، على حد تعبير النقاد، من معالجة جذور الأزمة لأنها أعمق من ذلك بكثير، خصوصا خلال السنوات الأخيرة خلافا لما كان يحدث في الثلاثينيات والأربعينيات عندما كان حسن ومرقص متحابان رغم معرفتهما باختلاف الأديان».
حسن ومرقص
وبطرح القضية أمام العديد من النقاد والمتخصصين حول ما إذا كانت السينما قد استطاعت بالفعل الغوص في أعماق القضية والحد من تواجدها، بدأ الناقد السينمائي طارق الشناوي حديثه بالتطرق لأسباب الأزمة، وقال إن الدولة نفسها هي سبب هذا الاحتقان بين المسلمين والمسيحيين، كونها سمحت لأجهزة الأمن بالتدخل في قضايا ذات شأن اجتماعي، الأمر الذي قاد إلى تفاقم الأزمة واستفحالها كما نراها الآن في واقعنا الاجتماعي.
وتابع: إن الدولة لم تقم بدورها في المدارس التي يشكل بعضها حاضنة تبث رسائل أشد خطورة مما نراه في المساجد والكنائس وتحض على كراهية الدين الآخر» لدرجة أن التعامل أصبح يتم على أساس طائفي وليس أساس وطني في المعاملات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حيث أصبح المسلمون يتعاملون مع المسلمين والمسيحيين مع المسيحيين».
ويتطرق الشناوي إلى فيلم «حسن ومرقص» كأحد أبرز الأعمال التي تناولت القضية، ويقول: تجد البداية في الفيلم عقد مؤتمر لرجال الدين من كلتا الطائفتين حول الوحدة الوطنية، ومن خلال الحوارات الفردية بين رجال الدين من كل طائفة فيما بينهم تبرز بعض مظاهر الخلاف، ومقابل حوار بين رجلي دين مسيحيين يتحدثان عن عدم حصولهم على حق بناء الكنائس أو ترميمها وعدم حصول أبنائهم على وظائف عليا في الدولة، يدور حوار بين رجلي دين مسلمين حول غنى المسيحيين بحيث لا تجد شحاذا مسيحيا، مما يدعو في مثل هذا الطرح لتدخل الكنيسة والأزهر إضافة إلى الرقابة مما يؤدي في المقابل إلى عدم عرض الحقائق كما هي في السينما.
أزمة الرقابة
الناقد السينمائي نادر عدلي يعود بنا إلى حقبة الأربعينيات إلى فيلم لفؤاد الجزائري حمل عنوان «حسن ومرقص وكوهين» تعرض لنفس القضية لكنها لم تطرح بالمعنى الديني بقدر ما طرحت بالمعنى الاجتماعي بين الطوائف الثلاث المتعايشة في مصر، ويبدو أن الفيلم الحالي أخذ العنوان بدون كوهين لمناقشة العلاقة بين الطائفتين بعد تقلص الطائفة اليهودية في مصر.
وأشار عدلي أيضا إلى فيلم «كابتن هيما» الذي تعرض لهذه المسألة، ولكنها كانت غير أساسية في سياق الفيلم مثلها مثل «فيلم هندي» الذي قام ببطولته أحمد أدم وصلاح عبد الله منذ سنوات حيث تعرض أيضا لهذه القضية. ومع هذا يعتقد عدلي أن السينما لم تستطع تدارك الفتنة ومحاولة الوصول إلى نتائج وحلول لهذه المشكلة، بسبب أن الرقابة لا تسمح بتصوير مثل هذه النوعية من الأفلام إلا في حدود معينة، بالإضافة إلى الكنيسة التي تطالب بعرض سيناريو أي فيلم يتعرض لتلك المشكلة عليها قبل البدء في تصويره مثلما يفعل الأزهر.
الجمهور العادي
وناقش القضية السيناريست أحمد عبد الفتاح مؤلف «كابتن هيما» فقال إن الفيلم قد تناول الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين في إطار بسيط وغير متعمق لشرح أبعاد هذه العلاقة الأزلية والقديمة، لأننا ندرك جيدا أن السينما تستطيع إيصال هذه الرسائل إلى الجمهور العادي وحتى للمثقفين ببساطة شديدة ويسر، ولأن هذه النماذج موجودة بالفعل في المجتمع المصري والعربي عموما، حيث أردنا تعريف الجمهور بمدى صدق العلاقة التي تجمع المسلم والمسيحي.
وعن أحداث الفيلم قال عبد الفتاح: «يدور حول الصداقة الطيبة بين «إبراهيم» المسلم الذي يجسد دوره تامر حسني و«ملاك» المسيحي الذي يجسد دوره الفنان أحمد راتب، ويعتبر أكثر شخصيات الفيلم تسامحاً»، مشيرا إلى أن فكرة الفيلم طرحها نصر محروس ؟ منتج ألبومات تامر حسني الغنائية الحالي ؟ وقمت بكتابة السيناريو قبل ظهور فيلم «حسن ومرقص» للنجم الكبير عادل إمام بعام، الذي تناول أيضاً الفتنة الطائفية، ما يعني أنها قضية مهمة، ومن الضروري التطرق لها بقوة، وهو الأمر الذي تفرضه الأحداث الحالية».
وأشار إلى أنه استعان ومخرج الفيلم بمشورة بعض رجال الدين المسيحي لضبط أحداثه، إذ تم تعديل بعض المشاهد بناءً على رغبتهم، فمثلاً في مشهد يقول فيه إبراهيم لملاك «حرماً» عقب تأديته للصلاة، فيرد عليه «حرماً في القدس» بدلاً من «جمعاً» باعتبار أنها ملك لجميع الأديان. وقال الفنان صلاح عبد الله: أنا أعتبر الدور الذي قدمته في «فيلم هندي» من أقرب الأدوار إلى قلبي، وتلقيت الكثير من التهاني والثناء على هذا الدور حيث نجحت في تجسيد شخصية القبطي الذي يرتبط بعلاقة صداقة بأحمد أدم.
وأشار إلى أن هذا العمل فتح الباب أمام عدد كبير من الكتَّاب في صناعة أفلام سينمائية تناقش هذه القضية المهمة التي تبرز نسيج المجتمع المصري، وأشار إلى أن السينما حتى الآن لم تنجح كليا في تناول هذه العلاقة، نظراً لأن الرقابة ترفض وتتدخل في العديد من الأفلام التي تتعرض لهذه الجزئية عامة، ولكننا نحاول من فترة لأخرى طرق هذه القضية عبر السينما، ومن خلال أفلام جادة تساهم في تشخيص الظاهرة.
انتقادات واسعة
فيلم «الرهينة» الذي قام ببطولته أحمد عز وياسمين عبد العزيز وأخرجته ساندرا نشأت، كان من أشد الأعمال قوة في تجسيد العلاقة بين المسيحيين والمسلمين، حيث أبرز الفيلم تلك العلاقة التي جمعت بين عدد كبير من الشباب المسيحي والمسلم المهاجر خارج البلاد للبحث عن لقمة العيش والعمل، حيث جمعتهم جميعا حجرة واحدة، إضافة إلى قيام كل فريق منهم بممارسة طقوس العبادة الخاصة به في نفس الحجرة.
ولكن واجه الفيلم انتقادات واسعة لطرحه بعض القضايا التي عكست أشياء تتنافى مع الواقع الذي نعيشه، واعتبر النقاد أحداث الفيلم تسئ للمجتمع المصري والمسلمين عامة، وهى حصول صلاح عبد الله أو «مكرم» كعالم كبير على جائزة نوبل، وصور الفيلم أن هذا التكريم أثار حفيظة المسلمين من وجهة نظر مخرجة العمل، مما أدى إلى محاولة اغتياله من قبل جماعة إسلامية، وهو ما يخالف الواقع حيث يسعد المصريون جميعا لأي عالم مصري يحقق نجاحا إقليميا أو دوليا دون النظر عن ديانته، وهذه الانتقادات دفعت المخرجة ساندرا نشأت إلى الرد عليها معترفة بأنها تدرك جيدا أن هذا لا يحدث على أرض الواقع مبررة ذلك بأن القصة هي التي فرضت نفسها.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية


