بعدما حكى معاناته مع سلطة الدولة العبرية وصعوبة التعايش مع الإسرائيليين، في فيلمه الوثائقي الثالث «من يوم ما رحت»، متبنياً وجهة نظر أميل حبيبي في سرد المتاعب التي كان عرضة لها على مرّ سنتين من الزمن إثر إتمامه فيلم «جنين.. جنين..».

أدى الممثل الفلسطيني محمد بكري أخيراً دوراً مهماً في فيلم المخرج رشيد المشهراوي «عيد ميلاد ليلى»، الذي لف الدنيا وجاب المهرجانات العربية والدولية، من تورونتو إلى أبوظبي. رحلة داخلية قاسية عن انعدام التواصل، والاستفزاز والعدائية والابتزاز، صورّها المشهراوي تصويراً يشي بموهبة أكيدة، وبصرامة شكلية لا يوازيها إلا ثقل المضمون.

وانتقال بكري من التمثيل إلى الإخراج، جاء بدافع قول ما لم يتسن له قوله في أفلام الآخرين. يقول: «عمري في المسرح والسينما نحو 22 عاماً واختياري للتمثيل جاء بمحض إرادتي رغم الداء والأعداء، أما الإخراج فكنت مكرهاً لا بطل. في اللحظة التي قررت فيها أن أمرّ خلف الكاميرا، شعرتُ انه إذا لم أنجز هذه الأفلام، لا احد سينجزها. في 1998 أخرجتُ أول فيلم لي، في مناسبة مرور خمسين سنة على نكبة فلسطين، وفي غمرة انشغالنا بالخطب السياسية التي لا تزال، يا للآسف، قائمة ، كانت إسرائيل تحتفي آنذاك بالذكرى الخمسين ل«ميلادها».

فيما الاحتفال كان مدعوماً بمسلسل تلفزيوني ضخم اسمه «توكوما» (النهضة بالعبرية) يروي تاريخ قيام الدولة العبرية على أنقاض بلادي. حينها قررت انتزاع آلة التصوير! ثم أتممت «جنين... جنين...» عن اجتياح الإسرائيليين لذلك المخيم سنة 2002، بعدما شعرت انه إذا لم أدخل إليه، لا احد سيدخله. آسف على هذه النبرة في الكلام، لكنه الحقيقة. أما الأخير، «من يوم ما رحت».

فكان لي شعور انه إذا لم أنجزه سأخون نفسي وتاريخي وامتنع عن توصيل صرختي إلى العالم. فيلمي السابق كان قد ولد نتيجة انطلاقة الانتفاضة الثانية التي افتتحت بمقتل ثلاثة عشر شاباً «زي عود الريحان» في الناصرة والجليل وأماكن أخرى من فلسطين. كانت تلك صرخة البداية، أما القشة التي كسرت ظهر الجمل فهي حين أطلق جندي إسرائيلي النار على الممثلة فالنتينا أبو عيسى التي كانت ترافقني إلى مظاهرة ضد اجتياح جنين.

عندما افترش جسد فالنتينا أرضا، وهي ممثلة وأنا ممثل، فتسألت: إذا كان الجندي يطلق الرصاص على الممثلين، ماذا ترى يفعل بالناس العاديين داخل المخيم؟ لذا، قررت أن أنجز فيلماً عن كل ما عانيته منذ الانتفاضة الثانية إلى يومنا هذا. ويعترف بكري انه ليس مخرجاً سينمائياً، بل ممثلاً فحسب، وعندما يعتمد على تصوير شيء ما، يتيح عقله الانتقال إلى قلبه. لا يعمل حسب قوانين سينما ما. يفعل ما يملي عليه قلبه. لذلك، لا يستطيع أن يحددّ ما يدور في الكادر إلا عندما يجري الحدث.

ويعلق بكري قائلاً: «في الوثائقي، أسعى دوماً إلى توصيل شيء ما عن طريق عدم سماح للشخص الذي أمامي أن يشعر بوجود الكاميرا، هذه الآلة التي كثيراً ما تهدد وجوده. ثم امنحه الثقة، احترمه، استمع إليه، وعندها ينسى الكاميرا ويصبح صافي الذهن وتصير عواطفه منسابة؛ يتكلم من غير كونترول. ولعل الأهم هو أن تقول ما تريد بأسلوب إنساني، كوني أؤمن بأن المقاومة الحقيقية تتجلى في مدى إنسانيتك وفي قدرتك على عدم إخفاء ضعفك الإنساني، بل عكس ذلك، يجب علي أن افتخر من ضعفي الإنساني واجعل قاهري يخجل من نفسه».

بيروت ـ هوفيك حبشيان