في مرسمه الحر بالخالدية بالكويت كانت أولى الكلمات التي ألقاها (شيخ الفنانين الكويتيين) الراحل عيسى صقر في أسماع ابن أخيه الذي يعشق الفن (عادل) حول جوهر الفن وفلسفة الجمال وأسرار اللوحات الخالدة، فأثمرت تلك الكلمات والدروس بترسيخ وتعميق تجربة ذلك الطفل الموهوب.

كان ذلك منذ ما يقرب من 30 سنة، ليظهر إلى الوجود بعدها فنانا كويتيا موسوعيا هو عادل الخلف الذي تتميز تجربته التشكيلية ببصمات خاصة لا تشابهها أي من التجارب القديمة أو الحديثة في المشهد التشكيلي الكويتي الذي يعتبر الأقدم في منطقة الخليج لأسباب تاريخية وحضارية، وليكون هذا الفنان أحد أبرز الفنانين المعاصرين في الكويت. وهو يرى أن للإمارات الفضل الكبير في انتشار الفن التشكيلي العربي والخليجي، ويقول في ذلك: لقد أصبحت الإمارات مركزاً مهماً للفن في المنطقة، وباتت قبلة لعشاق الفن والفنانين التشكيليين من مختلف العواصم، لما تقدمه من خدمة ودعم كبيرين للفن والفنانين.يستذكر (الخلف) تجربته مع تلك السنوات التي يرى أنها كانت الأجمل في مسيرة الفن التشكيلي الكويتي؛ ويقول: لقد كان عمي، رحمه الله، يصحبني معه دائما وأنا صغير إلى المرسم الحر القديم في منطقة الدروازة، ولحسن الحظ فقد كنت اشاهد الفنانين رواد النهضة التشكيلية في الكويت.

وهم يرسمون، أو ينحتون، وكنتُ أتعلم بالمشاهدة البصرية من أغلب المدارس الفنية المنتشرة آنذاك، أما المشهد التشكيلي الكويتي في تلك الحقبة؛ فقد كان في القمة من حيث تطوره وعمق الرؤية التي كان يتسم بها الفنانون آنذاك، وقد كان بمواكبة التشكيل الكويتي مشهد لا يقل أهمية في هذا الجانب، ألا وهو احتضان المجتمع ونخبته للتشكيل الكويتي، وهي ظاهرة باتت مفتقدة هذه الأيام.

من النحت إلى الرسم

بعد أن نهل عادل الخلف من معين عيسى صقر والفنانين الرواد العذب؛ سافر إلى بريطانيا لإكمال دراسته الأكاديمية، وعبر 5 سنوات متواصلة تعرّف الفنان إلى أعمال معظم الفنانين العالميين ومدارس الفن المختلفة، فبدأ بالرسم بالألوان المائية التي يقول إنه: لا ينصح المبتدئين بها لصعوبتها البالغة في المزج اللوني والسيطرة على تكويناتها، ومضى في الوقت ذاته في طريق النحت بكافة أنواعه، فأنجز عدة قطع فنية رائعة، ويقول في ذلك: لقد توقفت عن النحت وعرضه على الجمهور.

وصرت أمارسه كهواية شخصية لا لتقديمه للناس لأسباب يطول شرحها، لعل من أبرزها عدم تقبل أبناء المنطقة العربية وتحديداً الخليجية لهذا النوع الفني لدوافع دينية أو بحكم العادات والتقاليد المنتشرة، فتفرغت بالكامل للرسم بعد أن تقاعدت عن الوظيفة.

أسلوب جديد

واشتغل الفنان على مسارين من حيث المدارس الفنية؛ الأول هو الأسلوب الواقعي الذي يلقى صدى كبيراً في الثقافة الجماهيرية، وقد برز فيه ولا شيء أدل على ذلك من اقتناء عدة جهات وشخصيات كبيرة في الكويت وخارجها لهذا النوع من أعماله، ومنها لوحة (الجمل والعرفجة) التي يقتنيها الديوان الأميري الكويتي، و(أفق البادية) التي يقتنيها الإعلامي الشهير محمد السنعوسي.

وكانت أغلب تلك الأعمال بالألوان المائية، أما الأسلوب الآخر الذي اشتغل عليه الخلف وهو يحاول التجريب والتطوير فيه طيلة السنوات الماضية؛ فهو الأسلوب الانطباعي بروح التجريد، فيستخدم التكوينات والأفكار من المدرسة الانطباعية ويزاوجها بتكنيكات وألوان وروح تجريدية خالصة، تحتفي باللون دون أن تتلاعب بالموضوع كما هو حاصل مع أغلب التجارب التجريدية العربية.

تقليد وإبداع

حين كان عادل الخلف يسير بتأنٍ ووعي فني في تجربته الإبداعية؛ كانت الاتجاهات السائدة في المشهد التشكيلي الكويتي تتمحور بصورة ـ شبه مطلقة ـ حول اتجاهين؛ الأول كلاسيكي يقدم نفسه عبر الأسلوب الواقعي أو التصويري من خلال اعتماده على التكوينات التراثية والاتكاء على مناظر الطبيعة بأسلوب جامد، والاتجاه الآخر يحاول الركض وراء الحداثة بمدارسها المختلفة التي تظهر في العالم الغربي.

حيث السوريالية والانطباعية الحديثة والتجريد، فظلت هذه التجارب حبيسة عقول وأفكار النخبة دون الالتفات إلى إمكانية خسارتها للجمهور العام، فشق عادل الخلف طريقه بين هذين الاتجاهين بصعوبة بالغة، فقدم أسلوباً فنياً يوازيه كمقولة في الأدب أنه (سهل ممتنع) فقدم التكوينات الكلاسيكية التي تحتفي بالانطباعية الحالمة بصورة غير مباشرة، مختفية في الوقت ذاته وراء أوراق حريرية شفافة من الحداثة التي تتخذ من التجريد خطاباً بصرياً راقياً.

ويقول في ذلك: (أعتقد أن ما يميز العمل المبدع عن غيره؛ هو تفرده وعدم اتخاذه للتقليد والمحاكاة كمنهج في عمل الفنان، فيمسي المنجز الفني نسخة وصدى للآخرين ليس إلا، وهذا ما اشتغلت عليه وسأبقى؛ في سعيي نحو التفرد.

وهذه هي الفلسفة الفنية التي اعتمد عليها في بقائي، دون أن أطعن في أي تجربة فنية، فأنا أحترم كل التجارب الفنية الجادة، لكن مع الأسف فإن الكثير من تجارب الأسلوب التجريدي جاءت مستعجلة للدخول في هذا العالم القائم بذاته).

أبوظبي ـ محمد الأنصاري