تزايد في الفترة الأخيرة عدد الروايات التي تقدمها السينما بعد النجاح الكبير الذي حققته رواية (عمارة يعقوبيان) بتحويلها إلى فيلم كبير، الأمر الذي آثار انتباه المنتجين للبحث عن الروايات التي يمكن توظيفها سينمائيا خلال الفترة المقبلة، ما يعني، على ما يبدو انتهاء حالة الخصام التي فرضت نفسها على العلاقة بين الأدب والسينما..
وأصبح التساؤل المطروح: ما السبب في عودة المنتجين إلى الرواية.. وهل تتعلق تلك الأسباب بإفلاس المؤلفين في البحث عن موضوعات جديدة أم أسباب تتعلق بالفنان والمخرج؟!.
من المعروف أن علاقة السينما بالرواية قديمة جدا، خاصة في الفترة التي برزت فيها أعمال نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس، قبل أن يكمل المسيرة من بعدهما الروائي علاء الأسواني الذي بعد نجاح (عمارة يعقوبيان) وافق على تصوير روايته الثانية (شيكاغو) كفيلم سينمائي تتولى إنتاجه شركة جودنيوز.
ومن المتوقع أن يشارك فيه عدد كبير من نجوم السينما المصرية، خاصة أن هذه الرواية حققت أعلى مبيعات في مصر والعالم العربي، ومن المتوقع أن يعرض العمل في الموسم الصيفي المقبل.
وعلى نفس المنوال يتم العمل حاليا في الإعداد لرواية (تغريد البجعة) للروائي مكاوي سعيد لتحويلها إلى فيلم سينمائي، ويكتب لها السيناريو السيناريست والكاتب بلال فضل، وسيتم تصويره خلال أشهر، بالإضافة إلى الرواية التي كتبها بلال فضل (قلمين) والتي من المتوقع أن يعقد هاني رمزي معه جلسات عمل لتحويلها إلى فيلم سينمائي سياسي ساخر والمعروف عن هاني حبه لهذه النوعية من الأفلام.
أيضا رواية (عصافير النيل) للكاتب إبراهيم أصلان تم تحويلها هي الأخرى إلى فيلم سينمائي بعد أن أعد لها السيناريست الشاب ناصر عبد الرحمن السيناريو الخاص بها مع المخرج مجدي أحمد علي، وسيقوم ببطولة الفيلم فتحي عبد الوهاب وعبير صبري ودلال عبد العزيز وسيتولى إنتاجها جهاز السينما.
أما أحدث الروايات التي يتم تحويلها لفيلم سينمائي، رواية (نقطة نور) لبهاء طاهر الذي دخل إلى هذه المنطقة مؤخرا، وسيتولى إنتاج الفيلم المنتج حسين القلا، وستقوم بإخراجه هالة خليل، ومن المتوقع أن تنافس كل هذه الأعمال دفعة واحدة في سباق الموسم السينمائي الصيفي المقبل، الأمر الذي دعا النقاد بأن يطلقوا عليه موسم عودة الرواية الأدبية إلى السينما.
وفي هذا السياق يؤكد الكاتب بلال فضل أن السينما أيام مجدها كان نجاحها يقوم على أساس اعتمادها على روايات كبار الكتَّاب على رأسهم نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وحاليا وجد المنتجون عددا كبيرا من الروايات الأدبية التي تصلح لتحويلها إلى أعمال سينمائية، وذلك بعد أن اطمأنوا كمخرجين ومنتجين إلى نجاح تلك النوعية من الأعمال، خاصة بعد ما حققته رواية (عمارة يعقوبيان).
واعتبر بلال المتحمس لاتجاه السينما نحو الرواية أن هذا التوجه في حد ذاته مؤشر جيد بأن السينما تمضي في الاتجاه الصحيح لأن هذه الأعمال عادة ما تحمل رسالة معينة لتوصيلها للجمهور العادي الذي أدرك مؤخرا قيمة الرواية الأدبية مقارنة بالأفلام التي لا تحمل مضمونا أو هدفا أو رسالة.
مميزات الرواية
وفي رأي الكاتب والمؤلف علاء الأسواني إن تكرار الموضوعات التي تتناولها السينما في الوقت الراهن أصابت الجمهور بالملل والرتابة، وجعل المنتجين يبحثون عن بدائل أخرى لأن هناك أزمة نصوص بالفعل، وأزمة قصص سينمائية.
وكان علينا حل تلك المشكلة بإعادة النظر مرة أخرى إلى حال الرواية المصرية حيث إن هناك عددا كبيرا من الأعمال الأدبية التي ستظهر خلال الأعوام المقبلة وتقدم فكرا محترما وبعيدة كل البعد عن الابتذال الموجود في معظم الأعمال السينمائية حاليا.
وأشار الأسواني إلى أن الروايات الأدبية تتميز بأنها تحفل بالعديد من الشخصيات والأحداث وعند تحويلها إلى فيلم سينمائي نجد أن عددا كبيرا من نجوم مصر يشتركون في هذا العمل، وهذا ما حدث في (عمارة يعقوبيان) حيث ضمت العديد من النجوم حيث كان من المستحيل أن يجتمعوا في عمل واحد، وهذا من مميزات الرواية الأدبية.
نفس الرأي يؤكده الأديب إبراهيم أصلان صاحب رواية (عصافير النيل) حيث يؤكد أن السينما يجب أن تعتمد على الكتابات الأدبية، وتبحث دائما فيها لأنها عادة ما تحمل هموم الناس ومشاكلهم.
وأضاف بأنه عادة يكتب روايته وليس مسؤولا عما يفعله المخرجون عندما تتحول إلى فيلم سينمائي من حذف أو إضافة أو توظيف مشاهد يبررونها بأنها تتماشى مع سياق العمل، ويعتبرون ذلك جزءا من إبداعهم في العمل، وأنا اعتبر الجمهور من حقه مناقشة العمل.
ظاهرة صحية
إلى هنا يؤكد الناقد محمود قاسم أن دخول الرواية إلى السينما ظاهرة صحية جدا، وتدل على انتشار الثقافة بين الجمهور والسينمائيين، لافتا أنه عند تحويل هذه الروايات إلى عمل سينمائي فإنها ترتقي بالفكر، وتحاول توصيل رسالة إلى الجمهور.
حيث إننا الآن قلما نجد فيلما سينمائيا يستحق المشاهدة، أو يحاول توصيل فكرة إلى المشاهد لأن كل الموضوعات أصبحت مكررة، أما الرواية فهي تحمل فكر صاحبها ويحاول بقدر الإمكان أن يُظهر الأهداف والرسائل من هذا العمل.
ولفت الناقد الفني أن صُناع السينما يحاولون استثمار النجاحات التي حققتها أعمال بعينها في الأوساط الثقافية، نتيجة الانتقادات الواسعة التي تعرضت لها الموضوعات التي يطرحونها في السينما منذ سنوات، من حيث سذاجتها وتكرارها، الأمر الذي صرف الجمهور عنها.
أما المخرج عادل أديب فيشير إلى أن هذا التقليد كان متبعا بشكل كبير في الأفلام العالمية، خاصة الأفلام الأميركية والروسية، ورغم أن تكلفتها أكبر بكثير من الأفلام العادية، إلا أنها تحقق نجاحا كبيرا، وهنا في مصر بعد نجاح (يعقوبيان) أغرت الرواية المنتجين للبحث عن نصوص أدبية جديدة تصلح لتحويلها إلى أعمال سينمائية للخروج من دائرة النحت وسرقة الأفلام الغربية، وتحويلها إلى نسخة عربية.
وأشار أديب إلى أن السينما تواجه الآن أزمة نصوص، وبالتالي تعد الرواية البديل المناسب والقوي في تلك الفترة، وأتمنى أن تعتمد السينما خلال الأعوام المقبلة على الرواية الأدبية حيث إنها بالفعل تنجح وتشارك في مهرجانات سينمائية عالمية، وتعرف العالم بعادتنا وتقاليدنا وثقافتنا.
روايات صعبة
يشاركه في الرأي مكاوي سعيد صاحب رواية (تغريدة البجعة) التي تعد حاليا للسينما، لكنه في الوقت ذاته يقول: إن الرواية بحاجة لسيناريست جيد يصنع فيلما عن الرواية بحيث يتقبلها الجمهور وفي هذه الحالة تكتظ السينما بالرواية.. نافيا ما يتردد بأن هناك روايات صعبة ليس من الميسور نقلها أو استلهامها للسينما، وأضاف إن هذا غير صحيح لأن السينمائي المبدع يستطيع أن يستلهم أفلامه مهما كانت ليخلق عملاً له قيمة.
وعن رأى الفنانين في الأعمال الروائية، تؤكد يسرا أنها كانت سعيدة بتجربتها في (عمارة يعقوبيان) وقالت: وافقت على الاشتراك في هذا العمل الضخم على الفور لأنه استطاع أن يجمعني بعدد كبير من نجوم مصر، وهذا نادرا ما يحدث، وأضافت أنها مرشحة لدور في فيلم (شيكاغو) لعلاء الأسواني في ثاني تعاون بينهما، لافتة أن اتجاه السينمائيين نحو الرواية يساهم في معرفة العالم بثقافتنا وهويتنا العربية من خلال المشاركة في عدد كبير من المهرجانات السينمائية حول العالم.
نفس الرأي يؤكده فتحي عبد الوهاب الذي قال إنه سعيد جدا باختياره لأداء دور البطولة في فيلم (عصافير النيل)، وهو نفس اسم الرواية للكاتب إبراهيم أصلان، مؤكدا أن الأدب والرواية جزء لا يتجزأ من السينما، ويعتبرهما كيانا واحدا، وأشار إلى أنه كان يتمنى أن يجد مثل هذا الدور من قبل، مؤكدا سعادته بتجسيد وتمثيل رواية لكاتب كبير كأصلان الذي يعشق كتابته.
وبسؤاله عن سيطرة الرواية في الفترة المقبلة في عدة أعمال أضاف أن هذه ظاهرة جيدة جدا لأن هناك أعمال أدبية كثيرة جدا تستحق أن تظهر إلى النور وتتحول إلى أعمال سينمائية ضخمة، مؤكدا أننا لدينا كتَّاب كبار يستطيعون تقديم أعمال جيدة.
القاهرة ـ (دار الإعلام العربية)
