من الممكن قول الحقيقة بابتسامة ساخرة، وهذا بالتأكيد صعب، فالذي نضحك عليه هو بعض من جراحنا وهمومنا، أي أننا نضحك، بينما ذلك المشرط يغوص في أعماقنا، وعندما نكف عن الضحك، نكتشف أننا كنا نضحك من فرط الألم.
وهذا النوع من الفن قليل جدا، ذلك لأن مغامرة السخرية تحتاج إلى قدرة فائقة على الالتقاط الحساس، وموهبة تحويل هذا الشيء الخاص في المجتمع إلى شيء عام يمس كل متفرج مهما كان موقعه على خريطة الدنيا.هذا الخيط السحري الذي يربط المتفرج والفيلم، لا ينجح الكثير من المخرجين في وصله، لكن «كلينت ايستوود» الممثل والمخرج الرائع استطاع بدقة وأمانة تأكيده في فيلم «التغيير»، ما أعطاه مذاقا خاصا وردود فعل قوية. كما أن النجمة الأميركية «أنجيلينا جولي» تحولت في هذا العمل من مجرد فتاة جميلة، إلى ممثلة حقيقية تمتلك الكثير من القدرات والمبادرات التي راحت تؤكد عليها مشهدا بعد آخر.
ولعل فيلم «التغيير» الذي ينافس اليوم وبقوة على حصد جائزة الكرة الذهبية ـ غلودن غلوب ـ لأفضل ممثلة، دليل دامغ على رغبتها في أن تعلن للجميع براعتها لتعاطي مختلف الأنماط والشخصيات التي تترك بصمة ذات معنى ومغزى، فهي تطل بأسلوب ومنهج جديدين وفيلم يذهب بنا إلى سينما المشاعر، بكل ما تعني هذه المفردة، القصة والأداء والاحتراف العالي، وأيضا القضية المثيرة للجدل.
تجري الأحداث في لوس انجلوس 1928، حينما تضطر إحدى الأمهات «أنجيلينا جولي» للذهاب إلى عملها، وعندما تعود تكتشف غياب ولدها، وتبدأ مهمة البحث عنه، وبعد جهد، يتم العثور عليه، ولكنها تكتشف أنه ليس ابنها، في الوقت الذي تصر الشرطة على انه ابنها.
وهو يدعي بأنه طفلها ويحمل الاسم نفسه، ولكن قلب الأم دليلها، فهي تعلم جميع التفاصيل عن طفلها، حتى أنها كانت تقيس طوله من وقت لآخر، وتكتشف أن الابن الجديد ينقص ثمانية سنتيمترات عن طوله الأصلي، مما يؤكد شكوكها، ولكن مسؤول الشرطة يجبرها على انه ابنها، وهي تعلن في سخط رفضها.
وتتطور الأمور، ما يدفعها لأن تلجأ إلى الصحافة ويتقدم لمساعدتها قسيس مشغول بالأعمال الخيرية، وحينما يجد مسؤول الشرطة أنها مزعجة ومثيرة للمشاكل، يأمر بإرسالها إلى مستشفى الأمراض النفسية، لتكتشف بأن هناك جناحاً خاصاً للذين يرفضون التعاون والتعامل مع الشرطة بشكل ايجابي، وهم يخضعون لمختلف أنواع التعذيب، من اجل التوقيع أو الاعتراف على ما تريده الشرطة.
ولكن الصحافة والقسيس ومجموعته يظلون يبحثون عنها لإطلاق سراحها، خصوصا بعد أن يعثر محقق آخر، على خيوط جريمة ترتبط بقصة طفل تلك السيدة المفقود حيث يعثر المحقق على طفل يخبره أنه لا يريد العودة إلى المزرعة التي عثر عليه بها، لأنه لا يريد العودة إلى قريب له يقوم باغتيال الأطفال، فهو يجمع الأطفال من الشوارع، ويقوم باغتيالهم بشكل وحشي ويأمر الطفل بدفنهم في المزرعة..
وتتفجر القضية، خصوصاً حينما يتعرف ذلك الطفل على صور طفل السيدة المفقود واسمه «والتر» وتمضي الأحداث، عشرات الأطفال المخطوفين، والشرطة تخفي الحقائق، وتغير الأمور، وتتصاعد الأزمة.
يتم القبض على القاتل، ولكنه يبقى مصرا على انه لم يقتل أحدا، بل انه ينكر قبل لحظة إعدامه، أنه قام باغتيال «والتر». ويتم الحكم بالإعدام عليه، كذلك يتم تنحية قيادات الشرطة بكاملها في لوس انجلوس اثر تلك الفضيحة التي تزامنت مع الانتخابات في ذلك الحين.
وتظل الأم الموجوعة، تنتظر والسنوات تمر حتى تتصل بها امرأة تحمل المعاناه نفسها، حيث تم اختطاف طفلها في الفترة نفسها لتخبرها أنه تم العثور على طفلها، والذي يحكي قصة هروبه مع طفلين آخرين بينهم «والتر» من تلك المزرعة، بل إن «والتر» ساعده على الهرب بعد أن علقت ملابسه بالأسلاك.
وتظل الأم تترقب وتنتظر.. عل وعسى يأتي الأمل، فما أروع الأمل وما أعجب لحظات انتظاره.
هكذا ينتهي الفيلم ولا تنتهي الحكاية، إنها قصة الانتظار.. المصحوبة بجريمة وقمع الشرطة.. من خلال فساد وعناصر سيئة.. وعلاقات إنسانية متداخلة مثيرة للشفقة والسخرية في آن واحد.
في فيلم «التغيير» نشاهد سينما تولي الصورة عناية فائقة، عبر مشاهد تعود إلى الثلاثينات من القرن الماضي، وفي أداء رفيع متناغم، خصوصا، من النجمة أنجيلينا جولي، التي تؤكد أنها تنضج يوما بعد آخر، وتتفجر قدراتها، وذكاؤها في اختيار الأدوار والتعاون مع مبدعين كبار، أمثال المخرج كلينت ايستوود، الذي تعامل مع السيناريو باحتراف، ورؤية عميقة، وتجاوز النمط التقليدي في التطرق لموضوعات العنف.
الفيلم مليء بالسخرية والضحك المؤلم، وأطياف وجوه تظهر وتختفي، يسكن ملامحها الحذر والشك، بالذات، في مواجهات الشرطة، والدور المرتقب للصحافة والدين في المجتمع، في البحث عن مصير أفضل للإنسان، في كل مكان، فهذه مشاعر أي أم أو أي أسرة ومجتمع، في رحلة إزاحة الغموض عن الحقيقة، من خلال سينما تحمل المتعة وتخاطب العقل والمشاعر.
دبي ـ أسامة عسل

