كاتب السيناريو البارع غييرمو أرياغا منح أخيراً الممثلة تشارليز ثيرون دوراً مهماً في الهضبة المشتعلة، وهو الذي كان قد جاء بفكرة فيلم بابل، كما أنه وضع سيناريو ثلاث جنازات لطومي لي جونز. وموهبة أرياغا أكبر في الكتابة منها في التصوير.

ويجدر بنا انتظار أفلامه المقبلة لمزيد من التقييم والحكم الدقيق دون إطلاق آراء متسرعة عليه، وعمله الجديد الهضبة المشتعلة يتضمن قدراً لا بأس به من الانشغالات الجمالية والفكرية، وتكمن أهميته أيضاً في انه يمنح الممثلة القديرة تشارليز ثيرون أحد أهم أدوراها.

ويروي الفيلم قصة نساء من أربعة أجيال مختلفة. هناك أولاً تشارليز ثيرون، امرأة تدير مطعماً وتعيش حياة حرّة مستقلة.. تخرج مع من تريد وتفعل ما تشاء. هناك أيضاً كيم باسينغر، ربة منزل خمسينية تكتشف الحب بين زراعي رجل مكسيكي. زوجها عاجز جنسياً، وسرطان الثدي الذي شفيت منه جعلها تخجل من جسدها، بعدما انتزع منها رمز الأنوثة.

هناك بينهما مراهقة (جنيفر لورانس) تبحث عن نفسها وتحاول إصلاح ما تهدّم، لكن ذلك يؤدي إلى المزيد من الخراب، بالإضافة إلى الفتاة الصغيرة (تيسا لا) التي تعاني انفصال والديها. مَن هنّ هؤلاء، وما الذي يربط بعضهن بالبعض الآخر؟

هذا ما سنعرفه، علماً أن أرياغا سيظل محافظاً على غموض مدهش على مدار نحو ثلثي الفيلم، بحس تقطيعي عالٍ جداً يبدي أرياغا قدرة كبيرة على إدارة الممثلين. وإذا كانت جنيفر لورانس الاكتشاف الأكبر هنا، فلا شك أن ثيرون تسحق القلب في شخصية امرأة تجد طريق الابتسامة من جديد، وهي كانت تستحق جائزة أفضل ممثلة لمهرجان البندقية حيث عُرض الفيلم في دورته الأخيرة، وسيبدأ مشواره في الصالات التجارية في الأسابيع المقبلة.

مرّة أخرى، بعد وحش لباتي جنكينز، تدرك ثيرون أن الجمال قد يشكل عائقاً، لذا ينبغي تجاوزه مهما يكن الثمن. فنراها لا تكترث بجمالها الأخاذ، ولا تتوانى عن تشويه مظهرها الخارجي في دور مركب، يذكرنا كثيراً بوحش الذي نالت عنه أوسكار أفضل ممثلة.

جائزة غيرت حياتها، اذ تقول عنها: في الأيام التي تلت نيلي الأوسكار، كنت اشعر كما لو كنت في السماء، فمن الصعب استعادة حس الواقعية بعد أن يتم تكريمك على هذا النحو. لكن فجأة نقع على الأرض، ونلاحظ أن الحياة يجب أن تستمر، وان هناك واجبات تتعلق بالتصوير لا يجوز التقليل من أهميتها، وان الرتابة تضرب حياتنا من جديد. إذا بعد أيام قليلة من الجائزة استعادت حياتي إيقاعها الطبيعي. بعدها انهالت علي العروض من كل حدب وصوب، وشعرت أن هذا سيسمح لي التعامل مع كبار أسماء الفن السابع، من مخرجين وممثلين.

وهذا ما حدث، إذ تعاملت ثيرون مع أسماء كبيرة مثل آلان باركر وبول هاغيس وستيفن هوبكينز وجيمس غراي. واليوم، لا نستطيع التغاضي عن أن هناك منافسة، ولو مسكوتة وضمنية، بين الممثلات في هوليوود، لكن لكل واحدة قطعتها الخاصة من قالب الحلوى وقبل أن تبدع في الهضبة المشتعلة، مثلت ثيرون في عدد جيد من الأفلام المهمة ، حيث كانت قد بدأت مشوارها الفني كعارضة أزياء، ما ساعدها إلى الانتقال إلى عالم التمثيل والسينما.

لم يكن لها شغف كبير بمهنة عرض الأزياء، لكنها كانت تسمح لها بتأمين لقمة عيشها وباستقلالية مادية. التمثيل منحها السعادة علماً أنها تنحاز أيضا إلى الشأن الإنتاجي، رغم أن الألسنة الهوليوودية لا تأخذها على محمل الجد لوجود عدد كبير من الممثلات اللواتي يتعاطين الإنتاج لأجل المنظرة فقط. لكن من يشاهد الهضبة المشتعلة، لا بد أن يدرك أن التمثيل ليس شيئا عابرا في حياة نجمة الأعوام المقبلة تشارليز ثيرون.

بيروت - هوفيك حبشيان