«المازة» أو «الآنية الفخارية» ربما كانت أول فنون الإنسان التي اكتشفها في فجر التاريخ.. وصناعة الفخار كفن تشكيلي مدروس بدأت في مصر منذ العشرينات من القرن الماضي، حين رغبت طبقة من الارستقراطية المصرية في تخريج فنانين محليين يلبون احتياجات قصورهم من الصور والتماثيل والأشغال المعدنية وقد هداهم تفكيرهم في إنشاء مدارس لتخريج مساعدين فنيين أكفاء لتقديم العون للفنانين الأجانب وسفر البعض منهم كمبعوثين للمدارس الفنية في أوروبا.
وما إن عادت الأفواج الأولى إلى مصر، وبالرغم من محاولات الأجانب للاستيلاء على السلطة الثقافية في ميدان الفن التشكيلي، إلا ان المصريين قاتلوا، مستندين إلى حقهم الطبيعي وإدراكهم لمسؤوليتهم تجاه تراث بلادهم.في جولة على أحد أحياء القاهرة القديمة، التي تحتضن صناعة الأواني الفخارية، بجميع أشكالها وألوانها صحبها فيها أصحاب المهنة الذين توارثوها عن الآباء والأجداد.. التقينا إبراهيم طه الملقب (إبراهيم فخار) وهو يعمل في المهنة منذ أربعين عاماً مع والده وجده، سألناه عن نوعية الخامة التي تتشكل منها صناعة «الفخار» .
فقال: إن صناعة الفخار تتم من خلال خامتين من «الطين» الخامة الأولى «أسواني» يعود أصله إلى مدينة أسوان، والثانية «بلدي» ويتم استقدامه من الأرض الزراعية، وكل منهما له طبيعته ونوعيته في التشكيل والصناعة، أما النوع البلدي فيتم صناعته في «أصيص»، ويستخدم في زراعة النباتات، بينما يستخدم نوع «الأسواني» في صناعة «الفازات»، و«كشبوهات» للزراعة الإفرنجية وصناعة الطفايات والتماثيل بجميع أنواعها.
ننتقل مع إبراهيم لنشهد معه كيفية صناعة الأواني الفخارية على الطبيعة، وهي تخزف من الطين والنار والألوان بحسابات، بعضها يخضع للعلم والتجربة، وبعضها الآخر يخضع للاكتشاف والمفاجأة، ونرى صانعي الفخار وهم يسحبون كتل الصلصال من أكياس النايلون، وكأنهم في لحظة إبداع فنان في صومعتهم.. يلمس هذه، ويغمز تلك بأصبعه، ويربت على الثالثة، ويشم الرابعة، ويتأمل الخامسة.
ثم ينتقي ما يهفو إليها قلبه، ثم يعيش مرحلة أو لحظة إبداع أخرى مع قطعة «الطين» يجري عليها كفيه مرة، ويبللها بالماء مرة حتى تنزلق الأصابع والأنامل، في متعة من نوع خاص لا يعرفها سوى عازف الأنغام.. وهكذا ينحني صانع الفخار على الصلصال، فيتشكل بين أصابعه وكفه مستجيبا لسحر اللمسات.. يستطيل تارة على شكل آنية تبرز فوهتها من خلال قبضته، وينبعج تارة فتضيق الفوهة.
ويتكون الجسم كالثمرة الناضجة، يتحكم في ضغط الراحتين والأصابع والأنامل يحركها جميعاً كما يحرك العازف الماهر أنامله على الأوتار، قد يغمض عينيه في خلوص لعملية التشكيل، واستمتاع بملمس الصلصال الذي يتلاعب بين راحتيه كالكائن الحي، يعيره أذنا مرهفة كأنما يلتقط همسة الرضا من الآنية الوليدة، لكنه لا يسمع شيئًا هذه المرة، فيعود يدفع القرص بقدمه فيسرع القرص العلوي ويعتدل العم الفنان في جلسته لينهى ما بناه، ويعود إلى إبداع جديد على أنغام الموسيقى المترامية من الراديو البعيد في طرف ورشة مختلطة بالأواني المكدسة هنا وهناك.
وقد تمضي ساعتان أو ثلاث والعم الفنان مع الصبية داخل الورشة مع الدولاب والصلصال وآنية الماء حتى ينجب «الفنان» آلية «الآنية» لتصطلي بنارها أياماً، حتى تنضج ثم يفتح باب الفرن لتخرج بلونها الأزرق السماوي تتيه بجمالها في معارض الفن الرفيع، ربما في قلب القاهرة وربما في لندن أو موسكو أو باريس أو طوكيو أو كوبنهاغن أو غيرها من عواصم العالم التي استضافت هذا النوع من الفن المصري الذي يوصف ب«ساحر الأواني».
وفي أحاديثهم لا ينسى الفخاريون ميلاد جدهم الأكبر «سعيد الصدر» ويذكرون يوم ميلاده أنه ولد في الثالث عشر من يناير 1909. ويروي لنا أحد «الفخاريون» نقلاً عن جده من معلومات عن سعيد الصدر حين سأله الصحافيون بعد فوزه بالجائزة الأولى والميدالية الذهبية في معرض يوغوسلافيا الدولي العام 1962 عن رأيه في الخزف الأوروبي، فقال سعيد الصدر: إن الخزف الأوروبي يشبه أزهار البلاستيك جميلة جداً لكن بلا رائحة وبلا حياةٍ.
ويلتقط شاب في عمر الزهور يعمل في صناعة الفخار خيط الحديث من جده ويتساءل عن أسباب ازدهار الفن في هذا الزمن البعيد خلافاً لما نراه في عصرنا الحالي، وبفطرة وعفوية يتولى الجد «محمود» الإجابة على سؤال حفيده، وكأنه أحد أساتذة التاريخ في الجامعة ويقول لحفيده «سياسة الاستعمار في ذاك الوقت كانت تهدف إلى فتح أبواب الفن والأدب أمام الشعوب المستعمرة ومن بينها مصر، مع إغلاق أي وسيلة للبحث العلمي والتكنولوجيا التي كانت من وجهة نظر المستعمر المحتل تشكل التهديد الحقيقي لوجوده».
ما رأته العين يؤكد أن أصحاب مهنة صناعة الفخار هم فنانون، ولكن من نوع خاص على الرغم من أنهم ليسوا من الفئة التي يطلق عليهم فنانين فقد أتوا من «الطين» وعاشوا فيه، ويقول محمود مرسي إن الطين بين أيدينا له معنى ومغزى وأسأله كيف ذلك؟ يقول: يختلف الطين باختلاف درجة الليونة ونسبة إضافة الخامات بعضها إلى البعض الآخر أحياناً نضيف أشياء لا يعرفها غيرنا في مصر نضيف رماد الفرن مثلاً، ولكن ليس أي رماد، فالرماد يختلف باختلاف المادة التي تخلق منها فهل هي خشب كافور أم بوص أم حطب قطن أم مصاصة قصب.
ويضيف عم محمود قائلاً : إن لكل مادة رمادها وما يحتويه من تراكيب كيماوية تمنح الخزف بريقه البلوري وهي تتوفر في رماد الأخشاب بنسب متغيرة، وأسأله: كيف تعرف درجة جفاف كتلة الطين ومدى صلاحيتها للإبداع؟ فيقول: نعرفها من مجرد اللمس والضغط عليها بطريقة معنية فكل خلطة لها أشكالها ولا تصلح كل الخلطات لإبداع كل الأشكال.
ولعل هذه الإجابة التلقائية من عامل الأواني الفخارية البسيط شكلاً وموضوعاً تذكرنا بحالة الموسيقى حين يختبر أوتار عوده قبل أن يبدأ التلحين والنغم، وكما تدور الأنغام في أذنيه قبل أن يلمس الأوتار تلح عليه تارة وتهرب منه تارة تتلاعب الأشكال في خياله تداعب عينيه ويخطط شكلاً ثم يرتبط الشكل باللون وبنوع الصلصال وبدرجة الحريق وبنوع الوقود كهرباء أم سولار.
وكم يوما يستمر الفرن مغلقًا بعد إنجاز الحريق؟ يقول أصحاب المهنة: ربما ثلاثة أيام بلياليها وهؤلاء الفنانون البسطاء يكادون لا ينامون من فرط القلق والشوق إلى معرفة النتائج ينقرون عليها تارة ويتأملونها تارة وهي محمرة كعين الشمس قبل أن تنحسر الحرارة رويداً رويداً فينحصر اللون الأحمر المتوهج كعين الشمس عن الأواني البارعة اللامعة ثم تظهر الأشكال والملامس والخطوط والأحجام.
القاهرة ـ خدمة وكالة (دار الإعلام العربية)

