ربما سمع الكثيرون عن هذا أو ذاك من هواة جمع طوابع البريد، ولكن أغلبهم لا يعلمون أن هؤلاء تضمهم جمعية منذ العام 1929، وهى(الجمعية المصرية لهواة الطوابع)، أعضاؤها مصريون وأجانب وتضم 250 فردا بينهم أسماء كبيرة ومعروفة في الأوساط السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وبالرغم من أن عمر الجمعية قد بلغ قرابة الثمانين عاما، إلا أن الكثيرين لم يلموا بأهدافها، لكنها لاتزال تقيم معارض سنوية وندوات ومسابقات آخرها كان المعرض الذي نظمته بمدينة شرم الشيخ في نوفمبر 2008. الدكتور شريف عبد الرحمن سمرة، بالإضافة إلى رئاسته للجمعية يعد واحدا من أبرز هواة جمع طوابع البريد في العالم، التقيناه وكان هذا الحوار عن هذا العالم الغريب والمليء بالإثارة والمتعة .
يبدأ شريف حديثه عن طوابع البريد بقوله انه بدأ هذه الهواية عندما كان طفلاً صغيرا، حيث كان يرى الخوف في عيون والدته عندما كان يأتي إليها ساعي البريد ليعطي لها جوابا، وهي تعطي لساعي البريد مبلغا من المال مقابل الجواب فظلت دائما خائفة من أن يدق جرس الباب ويأتي ساعي البريد حيث كانت تلك الأيام أيام فقر لعدم وجود نقود لتعطيها لساعي البريد.
من هنا شغلني ولفت نظري البريد وساعي البريد وبدأت أجمع الجوابات التي ترد من البريد لكي احتفظ بالطوابع التي عليها، وكنت في ذلك الوقت في السابعة من عمري، وكذلك كنت أجمع الطوابع التي تأتي لوالدي فكنت معجبا بشكلها، وكان والدي في هذه الفترة أستاذا في الجامعة وقد كان يأخذ الخطاب ليقرأه ثم بعد ذلك يرميه فكنت آخذ الجوابات وأحتفظ الطوابع التي عليها.
آنذاك بلغ الأمر بهاوي الطوابع أنه كان يشتري بكل مصروفه الطوابع المختلفة لكي يجمع أكبر عدد ممكن مع اختلاف بلدانها، وبعد ذلك التحق بكلية الهندسة وكان مازال يجمع طوابع وخطابات البريد إلى أن قرر السفر إلى انجلترا، وبقي فيها 8 سنوات ومن هنا كبرت الهواية أكثر، فانجلترا معروفة بأنها أكبر سوق للطوابع في العالم.
حول هذه الفترة يقول هاوي الطوابع: درست وقرأت كثيرا عن الطوابع، وعالم الطوابع من جميع أنحاء العالم وبدأت أفهم عنها، أشكالها ومجموعاتها التي تصدر في مصر وبريطانيا وفرنسا، وما حولها وتبحرت في الهواية وكل ما يتعلق بها، إلى أن جاءت فترة التخصص بعد فترة 40 سنة أي العام 1986، وبعدها عرفت طوابع العالم كله، وجمعتها وعرفت معلومات عنها، ففضلت التخصص في مجموعتي الأساسية، وهي مجموعة مصر.
وعن المعلومات التي عرفها عن الطوابع قال: إن هواية جمع الطوابع ابتكرها في الأصل الملوك ومن ثم الأفراد، ولذلك فإن معظم هواة جمع الطوابع من الطبقة الراقية والمثقفة حيث إنهم يدركون قيمتها سواء تاريخيًا أم ثقافيًا أم تجاريًا، ومن أشهر الملوك المولعين بهذه الهواية الملك فؤاد والملك فاروق، وأيضا الملكة إليزا، وكانت ملكة بريطانيا وهي أكبر هاوية في العالم لجمع الطوابع، ولها مجموعات لكل دول العالم.
ويذكر رئيس الجمعية المصرية لهواة الطوابع أن أول طابع بريد تم إصداره في العالم كان سنة 1840 في انجلترا على يد (سير رولاند هيل)، وذلك عندما كان يدفع ثمن الخطاب ففكر في حل لإعفائه من ثمن الخطاب، ومن هنا جاءت فكرة الطوابع، وبدأ توزيع أول طابع بريد في انجلترا أول مايو1840، لكنه تم التنبيه على كل مكاتب البريد بعدم استخدامه إلا يوم 6 مايو غير أن هناك شخصا إنجليزيا لصقه على ظرف يوم 2مايو، فصار أندر مظروف في العالم، ومن حوالي 12 عاما وصل ثمن هذا الطابع في مزاد بسويسرا 20 مليون جنيه.
وعن أول ألبوم لجمع الطوابع قال: تم طرحه للأسواق العام 1862، وكان شكل هذه الطوابع في ذلك الوقت يتنوع بين المربع والمستطيل والدائري، ولكن انتشر الشكل المستطيل أكثر من غيره، باعتبار أن لصقه سهل على الرسائل، وكان الشيء المميز والمشترك بين كل الطوابع هو حوافها، وعادة كان يحتوي كل طابع على اسم البلد أو دائرة البريد المنتجة للطابع، وعلى قيمته.
وكذلك فإن معظم البلدان تدون تاريخ إصدار الطابع، ولكن بريطانيا هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا تدون اسمها على طوابعها، بل تكتفي بوضع صورة لرأس الحاكم لبلادها في إحدى زوايا الطابع، وذلك لأنها أول دولة أصدرت الطوابع لذلك ترى نفسها غنية عن التعريف.
ويذكر د.شريف أن الطوابع وقت إصدارها كانت تستخدم في أعمال التجارة عبر البحار وفي البر، أما بالنسبة لأول طابع بريد مصري فكان في 1يناير 1866، وكانت هناك 7 طوابع مصرية فئات (5، 10، 20 باره) والقرش في ذلك الوقت كان 40 باره يعني هذه الفئات كانت تعادل (1/ 8، 1/ 4، 1/ 2 قرش)، والباقي من الـ 7 طوابع كانت أسعارها (قرش صاغ وقرشين و10 صاغ).
في ذلك الوقت كان لا يوجد تعامل بالبنكنوت، ولكن كان التعامل بالفضة والبرونز والذهب وكانت الطوابع عليها نقوش وزخارف ومكتوب عليها باللغة التركية، لأن مصر ذلك الوقت كانت تركية، ولكن المصريين كانوا قادرين على تمصير كل شيء واستمرت هذه الطوابع للاستعمال لمدة عام ثم أعقبها إصدار 6 طوابع في 1يناير 1867 كانت فئات (5، 10، 20باره) و(قرش صاغ، وقرشين، و5صاغ) كان مرسوم عليهم الهرم وأمامه أبوالهول وبالجانب مسلتين.
ويستكمل: ظهرت بعد ذلك عدة مجموعات كلها تحمل آثار مصرية إلى العام 1922 عندما صدرت أول مجموعة عليها صورة الملك فؤاد، أعقبها صدور أول مجموعة تذكارية وكانت العام 1925 وتكونت من ثلاثة طوابع طوال مرسوم عليهم إله فرعوني بمناسبة افتتاح معرض الجغرافيا في مصر لأن مصر في ذلك الوقت كانت محط أنظار للعالم وتوالت بعد ذلك الطوابع العادية والتذكارية، حيث كانت الطوابع المصرية من الطوابع المحببة جدا لقلوب الأجانب لأنها كانت تحمل آثارا فرعونية وقبطية وإسلامية.
تظل طوابع البريد هي تاريخ الأمة.. تتناول أحداثها واحتفالاتها وأيضًا المهرجانات والمؤتمرات والمعارض والثورات والاستقلال، وأيضًا تاريخ العلماء والفنانين والكتاب والآثار، وطبيعة البلاد ومحاصيلها وزهورها وطيورها وحيواناتها ودور العبادة والمتاحف والقلاع والحصون والطقوس الشعبية من رقصات وأشغال يدوية وغيرها كلها كانت تدون على الطوابع، وحتى الآن حتى وصلت إلى ألعاب الأطفال وكانت أغلى الطوابع المصرية (مجموعة صدرت العام 1926) بمناسبة افتتاح مدينة بور فؤاد، حيث افتتحت هذه المدينة في عجالة ورأوا ضرورة إصدار طوابع لها.
ويعتبر أغلى الطوابع على مستوى الكرة الأرضية في الوزن والحجم والسعر أيضًا، على حد وصف د.سمرة، هو طابع بريد صدر سنة 1856 كان صغيرا ولونه أصفر وأطلق عليه (وحيد الأصفر)، لأن الطوابع في هذه الفترة كانت باللون الأخضر، ولكن جاء ذلك بالخطأ وهذه الغلطة كان ثمنها 20 مليون جنيه، وبيع هذا الطابع في مزاد.
وكان موضوعا داخل كريستالة كبيرة مكتوب أسفلها (ممنوع اللمس) على منضدة عالية، وكان سببه أنه تداول هذا الطابع بالخطأ وباعه صاحبه بـ (5 شلن) نظرًا لأن الطابع الأخضر كان بـ (3 شلن)، وتداول إلى أن بيع في مزاد بسويسرا من عشر سنوات، واشتراه رجل من رجال الأعمال السويسريين لاعتباره أنه ملكية خاصة لهم، وعادت إليهم مرة أخرى بعد معركة طويلة بينهم وبين مجموعة من اليونانيين .
وأضاف: هذا من حيث الطوابع، أما المظاريف فكان أغلى ظرف في العالم حصلت عليه الملكة فيكتوريا وكان لونه أسود وقيمته (بنس)، ولكن بيع بحوالي 20 مليون جنيه.
القاهرة - (دار الإعلام العربية)



