فريدة سيدة المقام العراقي شقت طريقها في فن كان حكراً على الرجال، لا يقوى عليه سوى حناجرهم، ومع أولى خطواتها في معهد الدراسات النغمية اكتشف موهبتها الموسيقى الراحل الكبير منير بشير، حتى صارت أستاذة فيه، ثم انبهرت بموهبة أستاذها الفنان محمد حسين كمر، لتكون طالبة له ثم زوجة ورفيقة درب في تأسيس فرقة المقام العراقي في هولندا.
وفي الغربة أصبح للمقام مكانته في تجسيد تراث بلد بكامله ولا تزال سيدة المقام العراقي تتذكر كلمات ملكة هولندا حين التقت بها قائلة: أنت ملكة وأنا ملكة، أنت تمثلين العراق بعمقه الحضاري. التقيناها وكان همس الحوار على النحو التالي..كيف كانت بداياتك مع المقام العراقي؟كان أبي يعمل مترجماً للغة الفارسية في الإذاعة والتلفزيون، عندما كنت في عمر الثامنة أو التاسعة، أذهب معه إلى عمله، فأرى الفنانين فانبهرت بهم، أمثال خليل شوقي وخليل الرفاعي وحسين نعمة وغيرهم. وكان والديّ يتابعان ميولي الفنية في مجال المسرح والغناء .
وكان لوالدتي صوت جميل، وهي من أصول أذربيجانية، تزوجها أبي في طهران، وهذا ما ساعدني في جعل طبيعة صوتي يدخل في ألحان المقام القريبة من الغناء الفارسي ، وشجعني أبي إلى دخول معهد الدراسات النغمية في بغداد، وبما أنني كنت أزور الإذاعة فقد تم قبولي في فرقة الأطفال وكان عمري آنذاك أحد عشر عاماً.
هكذا جئت إلى المقامات خطوة إثر خطوة بشكل سليم ونميت موهبتي وأنا في فرقة الأطفال، وقد لحّن لي كبار الملحنين المعروفين في مجال موسيقى الأطفال أمثال كنعان وصفي ونجم عبد الله وحسين قدوري. وبعد أن لاحظوا إمكانياتي الصوتية نقلوني إلى فرقة الإنشاد في الإذاعة، وكان عمري آنذاك بين الرابعة عشرة والخامسة عشرة، أقوم بترديد الأغاني خلف المطربين أمثال حسين نعمة وفؤاد سالم وفاضل عواد.
ما علاقتك الفنية مع الموسيقي الراحل الكبير منير بشير؟
عندما سمع عازف العود علي الإمام بموهبتي، قدمني إلى الموسيقي الكبير منير بشير الذي كان بحاجة إلى صوت نسائي في فرقة التراث، وعندما سمعني انبهر بحنجرتي.
وقال هذه إمكانية صوتية، ولم أكن أتجاوز الستة عشر عاماً. وكنت على أعتاب إنهاء المدرسة المتوسطة، فأصبحت في فرقة التراث وأذهب إلى معهد الدراسات النغمية كطالبة أكاديمية، وكان ذلك في عام 1979، درست سنة ووقعت ظروف حالت دون ذلك. تركت المعهد ثم عدت إليه في عام 1985، وأكملت دراستي، وفي الصف الأول حفظت مقام «الأورفة» من الأستاذين حسين الأعظمي وشعوبي.
ثم درست فيما بعد على يد الفنان محمد حسين كمر في مجال النظريات وتربية الصوت، ومن ثم غنيت هذا المقام على المسرح فتفاجأ الجمهور بي، وقام بالتصفيق ليّ بشكل غير طبيعي. وكان لدينا قناتان، وفي يوم واحد ظهرت على شاشة التلفزيون خمس مرات، وهذا ما أحدث ضجة، وفي اليوم التالي عندما كنت أمشي في الشارع كان المارة يطلقون عليّ «أم المقام».
تخرجت من العشرة الأوائل في المعهد. وتشجيعاً من أستاذي منير بشير، عينني أستاذة معيدة في المعهد. بذلك أصبحت أول امرأة تدرس المقام وتدرسّه في تاريخ الموسيقى والغناء العراقي . وبعدها بدأت مرحلة الاحتراف. حينئذ شعرت بالمسؤولية، ثم طورت نفسي من خلال مشاركاتي في مهرجانات المقام ومنها مهرجان بابل.
كيف بدأت هذه المرحلة، وكيف استقبلك الجمهور بعد اعترافه؟
أول مشاركة لي خارج العراق كانت على مسرح الدسمة في الكويت، ومن الصدف الجميلة سأعود للغناء على المسرح ذاته بدعوة من قبل وزارة الثقافة الكويتية بعد مرور عشرين عاماً.
كيف استطعت تحقيق شهرتك من خلال مجال غنائي يعتبر ضيقاً أو محدوداً في الذائقة السمعية العربية وحتى العراقية؟
عُرف المقام العراقي بأدائه من قبل الأصوات الرجالية، ولو نبحث عن الأصوات النسائية والمقام العراقي نجد أن الذين خاضوا هذا المجال هم على عدد أصابع اليد الواحدة. ونعرف أن للمقام أصوله وقواعده، والنساء اللاتي أديّن المقام بطريقة صحيحة هن: صديقة الملاية ومائدة نزهت اللتان لم يتعد غنائهما أربعة أو خمسة مقامات.
لكنني تمكنت من غناء نحو عشرين مقاماً بفضل الدراسة الأكاديمية التي جعلتني أضبط الانتقالات والأنغام والتجويد وأصول العرض ومخارج الكلمات وغيرها.
حاولت أن أغني المقام بصورة أقرب إلى أذن المستمع العربي. كان المقام يُضرب به المثل بالقوة، إضافة إلى أن الرجال لم يكن يقبلوا إقدام النساء على غنائه باعتباره فناً رجولياً ، أما المغنون القدامي فقد توارثوا هذا الفن من جيل إلى آخر.
كيف تعيش فرقتكم مادياً وهي تتكون من 11 عازفاً، هل تحققون موارد مالية كافية من خلال جولاتكم الفنية؟
هاجرنا في عام 1996 عندما ساءت ظروف العراق كما تعلم. ومما لا شك فيه إننا واجهنا صعوبات بالغة في بادئ الأمر في هولندا ، لكن علاقات زوجي مع الفنانين والمؤسسات الثقافية العالمية ساعدتنا على شق طريقنا في الإقامة والعمل وتأسيس فرقتنا. ولعل ما ساهم في نجاحنا هو انفتاح أوروبا على التراث الشرقي.
تقدير عالمي
اختيرت «فرقة المقام العراقي» كواحدة من بين أفضل 14 فرقة عالمية في مجال التراث، وحازت على أفضل عشر أسطوانات تراثية عالمية من مجلة «ساند لاين مغازين».
دبي ـ شاكر نوري

