الفن لا جنسية له ولا هوية ولا حدود توقف صداه، مقولة ربما تساير الواقع العالمي فيما يخص الشعر والغناء، لكنها ربما لا تصلح مظلة لفلسطين وأصحاب الكلمة فيها.. لأن الكلمة هناك قضية ووطن ورواية سامية، بدأت منذ وعد بلفور، وحتماً لن تقف عند حدود ما يجري حالياً في قطاع غزة.

في فلسطين، ليس الفن سوى حكاية أرض وشعب وبقاء، وبصمات حناجر ترسِّخ الانتماء، وهو رسالة الأرض لا السماء، وهو في قاموس الثوار كلمة حق في وجه الأعداء، يرقص عليها الفلسطينيون سواء.. لذلك فهو غناء ليس كغيره من الغناء.الفلسطيني وإن أعاقت الحدود مسيره نحو الوطن، يبقى حاملاً في ثنايا قلبه ولاءً من بعيد، وأينما كان يحيا في ظلال خيال فلسطين، وينتعش بنسمات هواء يحسبها قادمة من الوطن، ويتشبث ببصيص فرحة أو رائحة تراث يستنشقها الأهل هناك باستمرار، أما البعض فلا يتوانى متى سنحت له الظروف، للعيش مع الوطن في مناسبة ما، وذلك بالتحديد ما حدث مع أسرة فلسطينية تقيم في دبي استقدمت أحد أبرز شعراء وفناني اللون الفلسطيني المفعم برائحة الوطن.

الفنان نعمان الجلماوي، ابن مدينة جنين الفلسطينية.. علم من أعلام الغناء الشعبي الممتد إلى أقطار أبعد.. وحضوره الشبابي المتعمق في فنون الكلمة الفلسطينية منحه رواجاً شعبياً غمر مدن فلسطين المسموحة لأبنائها أو الممنوعة، وبتعبير أدق ما تعرف بمناطق العامين 1967 و1948، فالفلسطينيون لا يزالون قابضين على فلسطينيتهم أينما عزلهم القدر.

نعمان الجلماوي الموهبة الفلسطينية الشعبية التي تتنقل بين أروقة الوطن، هي ذاتها التي تضفي على الفرحة أينما وجدت بريقاً أبهى.. حضر إلى دبي، وغنى لأهل فلسطين المبتعدين عن الوطن، فسهرت رمال دبي مع ليلة فلسطينية صريحة، نثرت الفرحة في نفوس من أتاها من أبناء الجالية الفلسطينية أو حتى المواطنين الإماراتيين وسواهم من العرب المقيمين.

ساعات طويلة، غنى الفنان الشعبي المفعم بثورة فنية تفوح منها رائحة فلسطين في تلك الأمسية، ونعمان الجلماوي كما يقول يغني كغيره من شعراء فلسطين للوطن وللأرض وللشهداء وللوحدة وللزيتون وللقضية بكافة تفاصيلها، ولا يتجاهل أيضاً الشاعر الشعبي البوح بكافة معاني الرجولة والفروسية والأصالة، ولا يستثني من تعابير المديح والفخر بالعريس الفلسطيني، فالعرس هناك تظاهرة أكبر بكثير من أن تكون مجرد فرح يقتصر على عائلة العريس أو أقربائه.

وكما يعتبر نعمان الجلماوي، فإن الفن الفلسطيني في ظلال أزمة احتلال وحروب يعيشها الشعب هناك منذ وعد بلفور في العام 1917، مروراً بأزمات وثورات عدة حتى يومنا الحاضر، ظل يرافق السكان كهوية وبطاقة تعريف وحضور رغم أنف الاحتلال.

والفن الفلسطيني هو تراث يبحث عنه كل إنسان هناك، لا يختلف عن الزي والأكل وتقاليد التراث الأخرى، والشاعر الشعبي يغني في مختلف المحافل والمناسبات لفلسطين الوطن.. في فرحها وحزنها وألمها.

ومن الشعر المعبر عن حال الفلسطيني الذي سلبه الاحتلال بيته وأرضه، فأحاله إلى خيمة الاغتراب، كما ينظمه نعمان الجلماوي نقلاً في الخيال عن عجوز تروي الماضي لحفيدها: «كنا في بيوت جناحها سَيَّاح.. من أرضنا نطلب ونتمنَّى، وجدَّك بقى في همته فلاح.. سلطان من قال الحدا وغنَّى، صفَّت الخيمة ملكته وشاح..

وشيْب وهموم وظهر يتحنَّى، وفي دربه إن قعد يرتاح ما يرتاح.. يندب شروقي ويتنهد معنَّى، الندب واجب عَ الما عندو سلاح.. غير الإرادة وهام ما دنَّى، والبيت صفَّى للغُرُب سيَّاح.. ولحن الرثاء بداخله يتغنَّى، حتى الغرف قالوا الكلام صياح.. اللي دخلنا شخص مش منَّا، والباب بعدو ناطر المفتاح.. والبيت للغُّيَاب يستنَّى».

وعن العرس الفلسطيني، تحدث نعمان الجلماوي عن لحظات البداية والاستعداد لحفلين منفصلين في الشكل، لكنهما متحدان في المضمون، واحد للعريس والرجال، وآخر للعروس والنساء، ففي حفل العروس تغني الحاضرات بصوت جماعي بعض أغنيات التراث النسوية المتناقلة منذ عقود، فيما يظل حفل العريس العنوان الأبرز لمناسبة الفرح، حيث تبدأ الاحتفالات التقليدية وتتواصل لساعات، وربما لأيام.

احتفال الفرح الفلسطيني الرئيسي يكون اجتماع على شكل سهرة مسائية موسعة، تزخر بقصائد ملونة بـ «الميجانا والعتابا والدلعونا» ومواويل الوطن والحب والغربة، وألوان شعرية أخرى من قصيد الزجل «الشروقي والفرعاوي والمثمن والمربع والمعنى»، وغيرها الكثير من الأشعار التي تتألق فترقى إلى واقع أشبه بـ «مقامات فلسطينية».

غير ذلك، يؤكد الجلماوي أن شكل العرس في بلاده قد تطور في اللغة والهيئة، لكنه حافظ إلى حد شبه مطلق على مضمونه وشكله، وذلك مرده إلى تطور مصطلحات ومسميات العصر، ففي سنوات مضت تألق عشرات الشعراء الفلسطينيين، لعل أبرزهم أبو بسام الجلماوي، وهو والد نعمان، اللذان يغني معه في حفلات الأعراس الفلسطينية، إضافة إلى شقيقه الفنان عصام الجلماوي، والوراثة بنظر نعمان تلعب دوراً في جانب الشعر والغناء، لكن بدون بذور الموهبة لن ينمو نبات الشعر في داخل أي إنسان.

الجرح الفلسطيني كما يراه الجلماوي يبقى حاضراً في كافة أشكال الغناء هناك، وكما يقول فالابتسامة الفلسطينية تستحضر في ثناياها دائماً تعبير عن الجرح، أما الأفراح فكانت على الدوام تؤطر لرسائل تواصل بين الفلسطينيين أنفسهم، المتناثرين في غالبية دول العالم، وأينما وجد أبناء فلسطين تجدهم يستأنسون بسماع أغنيات التراث التي تتزاحم تحديداً صيف كل عام، حيث يبقى لحن التراث وقوداً منعشاً للفلسطيني المرتبط بالوطن عبر بصيص أمل.

وعلى الجانب الشعري، يقول نعمان الجلماوي أن كل ما يُغنى على لسان شعراء فلسطين الذين امتهنوا الحفاظ على التراث المهدد من الاحتلال، هو شعر يخضع بالمطلق للوزن والقافية، ويُنْظَم على بحور متنوعة منها الوافر والبسيط، وحول ذلك يؤكد نعمان أنه تحدث في هذا السياق مع الشاعر الدكتور غسان الحسن عضو لجنة تحكيم شاعر المليون، وتم استيضاح بعض ملامح الشعر الآتي من فلسطين، حيث ان الشعر يُصاغ دوماً بقوالب لغوية شعبية أو فصيحة تتناغم ولهجة بلده.

ويركز الشاعر الفلسطيني دوماً على قضايا هي من صميم اهتمام الشعب، ففي جانب الوحدة الفلسطينية يقول نعمان أبياتاً كثيرة من العتابا منها: «عوحدتنا لَغَنِّي بيوت وأحدي.. وما رَح صفِّي بهالموضوع وَحدي.. بِدْنَا من عُمُوم الشعب وحدة.. قبل لا يشمتوا فينا الأغراب»، ويقول أيضاً: «قضيتوا العمر تختلفوا قضيتوا.. علينا وعاقضيتنا قضيتوا.. إذا الإنسان ما بيخدم قضيتو.. وجودوا والعدم بحكم التراب».

الشاعر والفنان الشعبي نعمان الجلماوي، هو نعمان محمد عبدالحميد آل شعبان، يلقب بالجلماوي نسبة لبلدته «الجلمة» القريبة من جنين، حاصل على بكالوريوس دراسات اجتماعية، وبدأ الغناء أثناء المدرسة، وسرعان ما غدا محترفاً له، فصار علماً فلسطينياً يعرفه الصغير قبل الكبير هناك، وهو يمتاز بصوت جهوري تطعِّمه العذوبة، يؤكد دوماً أن الطبيعة مصدر الإلهام الأقوى لأي شاعر، ناهيك عن ظروف المعيشة، حيث دائماً ما يخرج العظماء والمبدعين من رحم المعاناة الأزمات.

دبي ـ عنان كتانة