لماذا «البث المباشر»؟ .. يؤكد البعض أن ظهور «برامج البث المباشر» خاصة عبر ميكروفون الإذاعة يرتبط بشكل ما بالموضوعات السياسية، كون الحديث في تلك الموضوعات يمثل تنفيسا للناس عن همومهم ومشاكلهم، لكن تلك البرامج أضحت حقيقة في مهام الإعلام المرئي والمسموع، وأصبحت تتجاوز موضوع التنفيس عن الهموم، وتسهم بشكل كبير في إيصال صوت الناس إلى المسؤولين وتساعد في حل القضايا والمشاكل.

مدى نجاح تلك البرامج يدل على التصاقها بالناس حيث يعتمد هذا النجاح على ثقة الناس في مذيع البث المباشر وصدقه.. ومن خلال هذا الملف يناقش «الحواس الخمس» هذه القضية والتطور الإعلامي الذي أحدثته في علم الاتصال وحياة الناس، مع بعض مقدمي برامج البث المباشر والمتخصصين والمهتمين، مدى أهمية البرامج المباشرة على الساحة الداخلية في الدولة، ومدى قدرتها على الاستجابة لمطالب الجمهور ، فضلاً عن السقف العام الذي تتمتع به مثل هذه البرامج للخوض في صلب مسائل اهتمام الناس، وهل لدى برامج البث المباشر القدرة على الاستجابة وإيجاد الحلول لبعض المشاكل المجتمعية؟ هذا ما تتناوله محصلة هذه الحوارات..

جمال مطر مقدم برنامج «البث المباشر» في إذاعة نور دبي يقول: برامج البث المباشر تشكل علامة كبيرة جدا، فهي برامج ناجحة بالدرجة الأولى من حيث انتشارها بين المستمعين، لأنها تعايش الهموم المحلية وتلتصق بالحياة اليومية للمستمع سواء كان إماراتياً أو عربياً مقيماً، البث المباشر متعب لدرجة غير طبيعية لكن في النهاية تجد داخله هدفاً كبيراً جدا ألا وهو خدمة الناس.

وعن سقف الحرية الممنوح لمذيع برامج البث المباشر يقول: أي إعلامي يضع قبل كل شيء رقابة ذاتية ويكون محكوماً بالمحاذير والقيود، لكن الحرية في التناول موجودة ولم نجد أي اعتراضات أمام مقدم برامج البث المباشر، والدليل أن أي شخص يمكن أن يتصل ويناقش القضايا المختلفة على الهواء مباشرة فليس هناك حذف أو قطع لأي جزء من البرنامج.

ويؤكد جمال مطر أن البرنامج الذي يقدمه استطاع معالجة الكثير من المشكلات، والإسهام أيضا في ردع الأشخاص السلبيين، كفصل المذيع الجنوب أفريقي بعد تطاوله على الأديان في إحدى فقرات برنامجه الإذاعي.

ومن جانب آخر يركز البعض على المذيع من دون التطرق إلى فريق العمل معه.. الإعلامي ثاني جمعة بالرقاد الذي قدم البرنامج خلال فترة ما في إذاعة نور دبي يعلق قائلا: في الغالب تعتمد برامج البث المباشر على المذيع الذي يدير الحوار ويطلب الاتصال بالمسؤولين .

وتكون أدوار المخرج والمعد أدوارا مكملة، بل أصبح الناس يسمون تلك البرامج بأسماء مذيعيها، فلا يعرفون بالضبط اسم البرنامج لكنهم يعرفون المذيع الذي يتواصل معهم على الهواء مباشرة، لذا فمن الطبيعي أن يكون دور المذيع هو الأساس في مثل هذا النوع من البرامج.

وعن الخطوط الحمراء التي وضعت أمامه يقول : لا أذكر منذ أن عملت في البرنامج أن هناك خطاً أحمر وضع أمامي أو تنبيهاً بعدم الكلام فيه، لكن الخطوط الحمر هنا يصنعها المذيع والمستمع بوعيه.

وهو الذي يشكل حديثه الجزء الأكبر بالبرنامج، ودوري هو التنبيه على أن من حق المستمع التحدث فيما يشاء بعيدا عن تجريح الأسماء أو الطعن، الأمر الثاني أن الخطوط الحمر التي اعتدنا عليها فضفاضة بمعنى أن المستمع هو من يصنع مناخ الحرية في تلك البرامج وليست الإذاعة أو التلفزيون.

ميرة الغفلي مخرجة برنامج البث المباشر بإذاعة نور دبي تعقب على الموضوع قائلة : استطاعت برامج البث المباشر المحلية في الإذاعة خلال السنوات القليلة الماضية، أن تحظى بشعبية واسعة وتستقطب أكبر عدد من المستمعين، فمنذ أن بدأ أول برنامج بث مباشر في إذاعات الدولة حتى أصبحت تلك البرامج تحمل قضايا وهموم الناس إلى المسؤولين لحلها، فحققت تلك البرامج حضورا فاعلا في صياغة القرارات وفي فسح المجال للناس لتوصيل شكاواهم والتعبير عن مشاكلهم.

وعن إمكانية انتقال الحرية المتاحة للبث المباشر لبرامج تلفزيونية مشابهة يقول حسن يعقوب مقدم برنامج «الخط المباشر» عبر إذاعة الشارقة : اهتمامات الإذاعة محلية والتلفزيون عربي وعالمي، كما أن هناك قنوات متخصصة في مناقشة تلك الجوانب كالجزيرة وغيرها، وهي قنوات نمطها إخباري سياسي، أما تلفزيون الشارقة فهو تلفزيون محلي يناقش قضايا عربية ودولية، كما انه تلفزيون اجتماعي ثقافي ديني غير متخصص في الجانب السياسي.

أما زميله راشد الكوس الذي قدم بعض حلقات البرنامج في فترة ما فيرى أن مناقشة قضايا الناس ومشاكلهم في برامج البث المباشر دليل على وجود حرية، تسمح بطرح القضايا وإيصال صوت الناس إلى المسؤولين، والحديث المباشر هو أحد القوالب الإذاعية المنوعة، فهناك قوالب كثيرة لكن البث المباشر هو الأكثر جرأة، حيث يجب أن يتحلى مذيع البث المباشر بعدة صفات منها سرعة البديهة وكظم الغيظ وقدرته على احتواء جميع المتصلين.

عبدالله بو عابد الذي يقدم البرنامج أيضا عبر إذاعة الفجيرة فيوضح أن الهدف من برنامج «البث المباشر» هو تقديم خدمات متعددة للمستمعين في معالجة قضاياهم وهمومهم، حيث تتركز مشاكل المواطنين على السكن والراتب والازدحام وبعض الخدمات البسيطة أما غير المواطنين فتتمحور مشاكلهم في الخدمات العامة وقضايا الإقامة والعمل وتراخيص السيارات.

وقد كان البرنامج بابا مفتوحا للجميع لطرح مشكلاتهم ومتابعتها مع المسؤولين. وهناك أشخاص يطلبون المستحيل فلا برنامج البث المباشر ولا غيره يستطيع المساعدة فيها، كأن يكون الأمر متعلقا بقانون من قوانين الدولة وفي تلك الحالة لا يمكن تغيير قانون عام من أجل شخص أو شخصين.

كما كان للفنان والإعلامي بو عابد رأي حول التقليد الذي يسود برامج البث المباشر مع كثرتها وتعددها.. فيقول: إذا كان التقليد للارتقاء بالإعلام الإماراتي فلا بأس به ووجود مثل هذه البرامج يعزز علاقة الإعلام بالناس، ولكن يجب ألا يكتفي الإنسان بالتقليد بل يقدم الأفضل والأجود، ونجاح البرنامج لا يقاس بكثرة الرسائل بل مساهمته في ما تم حله من مشاكل للناس وكيف تمت مساعدتهم وهو الأهم.

محمد غانم مصطفى نائب مدير عام إذاعة رأس الخيمة ومدير عام البرامج في الإذاعة الذي يقدم برنامج «استيديو 5» عبر إذاعة رأس الخيمة، فيقول إنه تعرف على الكثير من هموم ومشاكل الناس عبر حوارات البرنامج مع مستمعيه، وبدوره نقلها إلى الجميع،فقد ساهم - كما يقول - كثيراً وبشكل ملموس وواضح في حل تلك المشاكل بشتى أنواعها وأحجامها كالحالات المرضية والإنسانية وغيرها..

وهو يرى أن البرنامج يستمع إليه الكبير والصغير، ليس فقط في إمارة رأس الخيمة، بل في مختلف الإمارات على مستوى الدولة، وامتدت المكالمات التي يتلقاها يومياً عبر البرنامج إلى خارج الدولة، يعرضون مشاكلهم وكيفية حلها. فقد أحدث له البرنامج نقلة نوعية وحصد قدرا من الشهرة ومساحة من حب الناس واحترامهم له، حتى أن كثيراً من الأشخاص ينتظرون بفارغ الصبر موعد البرنامج والاستماع إليه.

يؤكد الدكتور علي عواض أستاذ «مسار الصحافة» بكلية الاتصال بجامعة الشارقة على ضرورة قيام برامج البث المباشر بالارتقاء بأذواق الجماهير، ووضع ميزانيات مناسبة للبرامج المباشرة للعاملين والضيوف الذين يثرون بعلمهم هذه البرامج.

وإتاحة الفرصة بصورة متوازنة وموضوعية للجمهور للتعبير عن رأيه، في إطار نظم وقوانين وقيم وأعراف الدولة، والتأكيد على المسؤولين كل في موقعه، للتعاون مع برامج البث المباشر وفتح الأبواب أمام المذيعون للتواصل المباشر مع هؤلاء المسؤولين، بهدف حل المشاكل والقضايا التي تواجه الجمهور وفي الوقت المناسب.

ويشير الدكتور ممدوح المشمشي أستاذ مسار الإذاعة والتلفزيون بجامعة الشارقة إلى أنه يجب أن يعمل المذيع على تطوير ذاته وثقافته ليكون قادرا على التعامل مع مختلف القضايا التي يطرحها الجمهور، وان يكون على دراية كاملة باللوائح والقوانين والنظم المعمول بها في الدولة.

والتي تحكم حياة الناس، وإيجاد توازن طبيعي في معالجه القضايا المجتمعية وعدم التركيز على قضيه دون الأخرى، مثل قضايا الطفل والبيئة، والصحة، والزراعة، والمسنين، وأهمية ضبط القضايا التي تطرحها برامج البث المباشر والابتعاد كليا عن التضخيم، والحذر من تحويل بعض المتصلين بهذه البرامج إلى وسيلة للاستجداء .

ويؤكد كذلك على ضرورة قيام المذيع بالتواصل الميداني للاطلاع على قضايا الناس، عن قرب، مثل غلاء الأسعار والإيجارات وغيرها، والتواصل مع الجهات المجتمعية التي تساهم في محاربة هذه المشاكل والإشادة بدورها لتشجيع الآخرين، على دعم هذا التوجه، ويجب أن لا يوظف المذيع برنامجه لمداهنة المسؤولين، أو تحقيق مصالح شخصية على حساب قضايا الناس.

وتعقب الدكتورة حصة لوتاه وهي أكاديمية إماراتية حاصلة على درجة الدكتوراه في فلسفة الاتصال الجماهيري وأستاذ مساعد بكلية الاتصال الجماهيري بجامعة الإمارات على مسألة تجاوب المسؤولين مع البرنامج بالقول: قد يرى البعض أنه من حق المسؤول الامتناع عن الإجابة باعتباره مصدر المعلومة، طالما لا يريد الإجابة، لكن الفريق الآخر يشدد على ضرورة أن يجيب هذا المسؤول عن تساؤلات الجمهور، لأن القضايا التي تُطرح ليست شخصية تتعلق بشخص المسؤول، بقدر ما أنها قضايا عامة.

وبين هذين الفريقين يخرج فريق آخر ليؤكد على أن ربط الجمهور بالمادة أو القضية المثارة، يشكل ضغطا جماهيريا يجد مناصرين ومؤيدين دائما ، يساهمون بشكل أو بآخر في إخضاع المسؤول لطلب الاستجابة عن تساؤلات الجمهور في القضايا التي تثيرها هذه البرامج وغالبا ما يكون معظم هذا الفريق ممن لا يبادرون بالاتصال بنوعية هذه البرامج إنهم يكتفون بالمشاهدة والمتابعة فقط لكن سرعان ما يتحولون إلى جماعات ضغط على المسؤول.

دبي ـ جميلة إسماعيل