رغم جبروت تيار العنف والقتل، الذي أغرق السينما في العالم، فقد ظهر تيار معاكس يعيد للإنسان أهميته علي الشاشة الكبيرة، في أفلام شديدة العذوبة، تجلو الصدأ عن المشاعر الإنسانية، وتعيد الحياة للمعاني النبيلة. وازداد هذا التيار قوة وثباتا من خلال مجموعة من الفنانين من جميع أنحاء العالم ، يؤمنون بأن الفن مادته الإنسان، ولابد أن يعود للإنسان، حبا وأملا في حياة ومستقبل أكثر نبلا وإنسانية.
فيلم «استراليا» من هذا التيار، ورغم بساطة موضوعه الذي تناولته السينما أكثر من مرة، لكن المذهل في هذا العمل، نسيج سيناريو مشغول بدقة وحب وفهم، ورؤية مخرج أهتم بكل التفاصيل الصغيرة، حتى بدت كل لقطة في الفيلم، وكأنها لوحة فنان تشكيلي مبدع، له وجهة نظر في الحياة والعلاقات الإنسانية والفن والسياسة والأخلاق. يطرح فيلم استراليا، الذي يعرض حاليا في صالات السينما المحلية، مجموعة قضايا بالغة الأهمية بالنسبة للحياة الاجتماعية والسياسية والأمنية في قارة أستراليا تعكس واقع الحال خلال فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، وسلسلة التغييرات التي طالت الجميع في أعقاب نهاية هذه الحرب، ومن خلال جو أسطوري يمتزج فيه الواقع بالسحر، تجنح فيه الحكاية إلي إضفاء هاله من الخيال على شعوذات الأروميين سكان أستراليا الأصليين.
حيث يمرر العمل قضية الفصل العنصري الذي مارسه البيض على المستويين الرسمي والشعبي ضد السكان الأصليين، شارحا في لقطات معبرة وموجزة كيف لا يتمتعون بأي نوع من الحقوق أو الوضع الاجتماعي، بل يستخدمون كخدم وتكون نساؤهم حظيات رخيصات، ليس لهن حقوق ولا لأبنائهم الخلاسيين الذين يأتون ثمنا لتلك العلاقات العابرة.
نجح مخرج استراليا باز لورمان في إعطائنا صورة جيدة عن الطبيعة الخلابة للقارة المترامية الأطراف، وقدم في لقطات مبهرة جمالها في محاولة إعادة اكتشاف جديدة لها، فضلا عن طبيعة البشر الذين يعيشون فيها وجشع تجار الماشية خاصة أنهم كانوا يجنون أرباحا كبيرا من بيعهم الأبقار للجيش الذي كان يحارب اليابانيين في ذاك الوقت.
وفي هذه الملحمة السينمائية يجري عرض الأحداث والقصة على مراحل تستغرق الفترة ما بين 1939 ـ 1942 ، وتجري الأحداث في النصف الأول من الفيلم في فاراويه داونز وهي مزرعة تقع في المنطقة الشمالية من أستراليا.
حيث تبدأ الصدمات تتوالى منذ وصول ليدي ساره أشلي ـ نيكول كيدمان ـ إلى مزرعة زوجها لتكتشف أن السكان المحليين يبكون بإخلاص سيدهم صاحب المزرعة الذي قتل برمح، ونعلم بعد ذلك من الصبي الخلاسي ابن الرجل الشرير أن الرمح الذي أصاب زوجها، كانت حربته مصنوعة من زجاج، وهو ما يؤكد أن جد الصبي الأرومي ليس المجرم الحقيقي بل فليتشر ـ ديفيد وينهام ـ الذي يعمل في المزرعة، وطامع في الاستيلاء عليها.
وأمام الخطر المقبل من المستوطنين الانجليز تضطر إلي الرحيل مع ماشيتها، برفقة أحد الرعاة دروفر ـ هيو جاكمان ـ وتستغرق الرحلة مئات الأميال عبر البراري الأسترالية القاسية للوصول إلي بر الأمان بالقرب من مدينة داروين، إلا أن سوء الحظ يلازمها إذ تصل إلي داروين في خضم اشتعال الحرب العالمية في منطقة الشرق الأقصى، وحيث تتعرض المدينة كغيرها إلي القصف من قبل الطائرات اليابانية.
الرحلة الصعبة صوب الجنوب تولد قصة حب عنيفة بين ليدي سارة والراعي دروفر تزيد من رغبتهما وتصميمهما علي مواجهة المستقبل. وتعتبر شخصية راعي الماشية دروفر هي المحرك الرئيسي في الفيلم، حيث يكشف عن كراهيته للبيض خاصة وأنه خلاسي أيضا من أم سوداء ووالد أبيض. ويقف حجر عثرة في طريق فليتشر الذي يريد السيطرة علي أشلي وقطيع الماشية .
ويبلغ الفيلم ذروته عندما يعتقد دروفر أن الليدي أشلي قتلت خلال قصف الطائرات اليابانية، فيذهب للبحث عن الصبي الخلاسي نولاه الذي ارتبطت به أشلي وأحبته، وعند وصوله إلي جزيرة تعلم الخلاسيين أصول الدين المسيحي يتعرض هو وأطفال المعسكر لقصف شديد لكن تضحية صديقة الخلاسي بنفسه تنجيه وتنجي الأطفال الذين يعودون معه على ظهر مركب كبير.
وفي إطار النهاية الطبيعية لانتصار الخير على الشر، يقتل فليتشر وهو يحاول قتل ابنه الخلاسي نولاه، حيث يوجه الجد الأرومي رمحه من فوق خزان مرتفع للمياه فيصيبه في مقتل. ويروي الصبي نولاه ـ براندون ولترز ـ في مراحل متلاحقة من الفيلم، حكاية العلاقة بين والده فليتشر ووالدته التي تموت مختنقة وهي مختبئة في خزان المياه في المزرعة، ويتحدث بفخر عن جده وعن العادات والتقاليد لقبائل الخلاسي.
لكنه في الوقت ذاته يشعر بأسى لأنه خلاسي، لا البيض يريدونه ولا السكان الأصليين أيضا، عاكسا واقع الحال الذي استمر لسنوات. وينتهي الفيلم الجميل ، بعد أن مزق كل الأقنعة، سواء بين البشر أو بين الأماكن، فالصور السياحية اللامعة، تخفي وراءها حقائق مذهلة.
وإيقاع العصر الكاذب، يطحن المشاعر والعلاقات، ولم يبق سوى الحسرة على الماضي الجميل، والدفء المفقود، وكأنما أراد باز لورمان مع نهاية عام 2008 بفيلمه استراليا، أن يزيل الصدأ من على النفوس، ويوقظ المشاعر النائمة، بحثا عن الحب والحنين والتضحية، وهى للأسف مفردات لم تعد متداولة هذه الأيام.
دبي ـ أسامة عسل

