منتقلاً بين فضاءات الجمال والدهشة في ماضي الخط العربي العريق، وخطوط الروحانية المتألقة في «المحاريب» البغدادية، يحلّق التشكيلي العراقي شوكت الآلوسي في أثير روحاني يفيض بالسحر في معرضه «الحروف المقدسة»، ليهب العالم تحفاً فنية تختلط فيها تكنيكات الحداثة والتشكيلات اللونية الآتية من اللامتناهي مع موروث وطقوس مبهجة في عالم يعاني الخراب.

يعيد التشكيلي شوكت الآلوسي حكايته مع الألوان وشغفه بسحر الريشة؛ إلى عقد الخمسينات من القرن الماضي في مدينته الرمادي مركز محافظة الأنبار العريقة، حيث حاز في مدارسها على عشرات الجوائز في الرسم، الذي كان يحاكي فيه طبيعة البيوت، ونواعير المياه وقباب المساجد المنتشرة في هذه البقعة المعروفة بالتزامها الاجتماعي، ولم يكُ ينافسه في حصد تلك الجوائز سوى شقيقه الأصغر منه نشأت- الذي سيغدو فيما بعد أحد أبرز وأقوى الأسماء الفنية، في التجريب في المشهد التشكيلي العراقي.

ثم تأتي مرحلة أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد في سبعينات القرن الماضي، ويقول عنها الفنان: «لي الفخر كله بتتلمذي على يد أبرز فنان عراقي عرفه التشكيل؛ وهو الفنان الراحل فائق حسن، حيث المدرسة الواقعية الحديثة التي أسسها الفنان الراحل، وسرتُ وسار جيل كبير من الفنانين على نهجها، وبعد أن أنجزتُ شهادة الماجستير ''دور الفن التشكيلي في شخصية الفرد العراقي عقلياً واجتماعياً'' أبصر النور أول معرض شخصي أقمته، وكان عام 1989، في قاعة الرواق حيث لاقى سمعة طيبة».

عاصر الآلوسي ظهور مدارس وجماعات عدة في الساحة التشكيلية العراقية؛ فمن «جماعة الرواد» التي أسسها فايق حسن، إلى جماعة «الرسامين الانطباعيين» بقيادة حافظ الدروبي، إلى «البعد الواحد» لشاكر حسن آل سعيد، وعشرات غيرها؛

إلا أن شوكت الآلوسي ورغم تأثره في مراحل مختلفة من حياته الفنية ببعض الفنانين الكبار؛ أمثال الدروبي وإسماعيل الشيخلي لم يحاول الانتماء لجماعة أو مدرسة معينة، بل ظل محلقاً بحرية في أجواء المدارس التشكيلية التي يشعر أنها تلامس مخيلته، وتغسل روحه عبر مساحات اللون، ومع ذلك فقد عدّه بعض النقاد ممن قرأ فنه ضمن المدرسة الواقعية، ليضع بعدها لمسة وبصمة خاصة طبعت أعماله، وجعلت منها مدرسة قائمة بذاتها بعيداً عن المسميات التي تقتل الإبداع أوتقيده.

أما رحلة الآلوسي في فضاء الحرف العربي، فقد بدأت منذ طفولته؛ لكنه لم يُظهرها للعالم إلا بعد نضوج التجربة واختباره لخامات وأشكال وتكنيك وصلت في اللوحة إلى حدود الكمال الفني، فما الذي يختلف به تجريب الآلوسي في الحروف عن المدرسة الحروفية، التي انتشرت في بقاع مختلفة من العالم العربي، يجيب هو عن ذلك: «إن أحد الاختلافات الأساسية للوحات الحرف التي اشتغل عليها،

وهو عنصر أساسي ولن أتخلى عنه، هو أنني لم أنصرف بالحرف العربي بتغيير معالمه، والخروج به عن روحانيته المتأصلة في داخله، وهو ما درج عليه للأسف- معظم الذين يدعون أنفسهم بفناني المدرسة الحروفية، فترى الحرف العربي يتعرض للتشويه والتلاعب بأشكاله بدعوى الحداثة والتحديث، فلذا ترى بأنني أستخدم الخطوط العربية الأصيلة كالثلث والكوفي وخطوط العصر الإسلامي الأول، لأنني أجد فيها عناصر جمالية ذاتية بعيدة عن التكلّف».

تُشكل «المحاريب» مع الحرف العربي ثنائية مدهشة من عوالم الصفاء والروحانية في لوحات الآلوسي، وهو حين أطلق على معرضه «الحروف المقدسة» لم يكُ ببعيد عن جوهر الفلسفة الفنية الظاهرة والباطنة لهذه اللوحات، وتشعر بمزيج من المشاعر والأفكار حين تقف أمام إحدى لوحات الآلوسي، حيث الرهبة محفوفة بروحانية المحاريب التي تحتضن الآيات الكريمة، والتشكيل الجمالي الذي يشترط على اللون مضاهاته في تنويعات الأقواس وحركة الأحرف، تنطلق ريشة هذا الفنان المسكون بعشق غيبي في فضاءات من عوالم تبعد بمخيلة الإنسان إلى النقاء، فما علاقة الآلوسي بواقع «المحاريب» التي رسمها محتضنة الحروف، كعاشق يلاقي معشوقه بعد فراق.

يقول الآلوسي: «لقد بقيت ذاكرة وصور محاريب المساجد ومراقد الأولياء في العراق والخطوط التي تحيط بها؛ مراودة لذهني وروحي كأطياف تأبى الغياب، ولا تقبل بديلاً عن معانقة سطح اللوحة فأجدني أتحرك بلاوعي لكنه مدرك في ذات الوقت- تجاه السطح الأبيض لتتحرك معي تلك الأطياف بعفوية تامة، وأينما اتجهت في بغداد أجد محاريب '' «الشيخ الكيلاني» و«موسى الكاظم» و«الجُنيد» وعشرات المحاريب تنادي فرشاتي وألواني، لإظهار جواهر حروفها وتشكيلاتها إلى العالم الخارجي».

ورغم تألقه في عالم الخط، إلا أن الآلوسي يصر على عدم إدراج إسمه في عالم الخطاطين، لأن الخط بالنسبة إليه تشكيل فني يستخرج منه فلسفته الروحية والفنية في فضاء اللوحة غير آبه بقوانين الخط الصارمة، لكنه في الوقت ذاته غير مكترث لحداثة الحروفيين المشوهة لكيان الحروف، وهو يجد في الواقعية الحديثة التي يشتغل عليها في «حروفه المقدسة» حرية أكبر في التدرجات اللونية، من الألوان الترابية إلى الألوان اللازوردية التي تحاول الجمع بين النقيضين «الأرض» و«السماء» غير مبال بخط الرحلة بين التكوين والشكل.

الفنان شوكت الألوسي من مواليد محافظة الأنبار في العراق عام 1948، وهو حاصل على شهادة الماجستير عن رسالته في دور الفن التشكيلي في تشكيل شخصية الفرد العراقي عقلياً واجتماعياً، وحاصل على شهادة الدكتوراه في جماليات الأشكال المعمارية الإسلامية وانعكاساتها في الرسم العراقي المعاصر.

وأقام الألوسي معارض فردية في قاعة الرواق منذ العام 1989 وحتى العام 1993، كما عرض في قاعة فائق حسن في العام 1993 ، وقاعة الأورفلي عام 1990 ، وقاعة عالية للفنون، والمركز الثقافي الملكي في العاصمة الأردنية عمان 1994 و1996، وشارك في العديد من المعارض في العراق، والسودان، وتونس، وقطر، وتقتنى أعماله ضمن المجموعات الخاصة في إيطاليا، والسويد، ولندن، وأميركا، وروسيا، والإمارات ولبنان.

جَمال

من وسط أنقاض الخراب الذي حلّ بأرض العراق؛ تظهر عبقرية الآلوسي في تقديم الجمال المجرد من تأثيرات الواقع الحزين، وكأنه يجادل نظريات الألم الإنساني من خلال فلسفته في الحياة.

سامراء

يقول الآلوسي: «إن أكثر ما اعتصر قلبي من مرارة في الأعوام الأخيرة، هو حادث تهديم القبة الذهبية في سامراء، بغض النظر عن الاعتبارات الدينية والوطنية، ولكن لاعتبارات فنية تقول إن تلك القبة كانت من روائع الإرث الفني الخالد للعراق».

قباب

يقيم الفنان شوكت الآلوسي معرضه «الحروف المقدسة» في قاعة قباب الكائنة في أبوظبي- منطقة البطين- شارع 15- فيلا 3، ويستمر العرض حتى نهاية العام الجاري.

دبي- محمد الأنصاري